الصفحة 15 من 43

البيع وإن لم يملك الثمن، لكنه لا يجوز أن يبيع ما ليس عنده، لقول الرسول ــ صلى الله عليه وسلم ــ لحكيم بن حزام"لا تبع ما ليس عندك". [1]

ولو عكس فقال:"بعت أردبا من القمح بهذه الساعة يكون سلما [2] فتراعى شرائط السلم، كالتأجيل، وقبض رأس المال في المجلس، ونحو ذلك، ولا يصح الاستبدال في الأردب من القمح قبل القبض، بخلاف الصورة الأولى، فإنه يجوز التصرف في الأردب ــ قبل القبض ــ بالاستبدال كما في سائر الأثمان. [3] "

الفرع الثاني: حلف رجل على زوجه قائلا لها والله لا تخرجي إلا بإذني فالحكم أن يشترط ليكون بارا في يميني أن يكون لكل خروج أذن، لأن الاستثناء في هذه اليمين مفرغ، والمستثنى هو الخروج الذي هو متعلق الجار والمجرور، والتقدير: لا تخرجي إلا خروجا بإذني، فوجب تقدير مستثنى منه مجانس للمستثنى، فصار التقدير: لا تخرجي خروجا إلا خروجا ملصقا بإذني، حيث أن المصدر خروجا نكرة في سياق النفي فتمنع اليمين من كل خروج، ثم استثنى الخروج الملصق بالإذن، فالتكرار مستفاد من معنى الباء.

أما إن قال لها: لا تخرجي إلا أن آذن لك، فإنه لا يجب لكل خروج إذن حينئذ، بل يكتفي بالإذن مرة واحدة، لأن إلا هنا استملت مجازا في معنى حتى وهو غاية بقرينة تعذر استثناء الإذن من الخروج لعدم المجانسة: إذ التقدير إلا الإذن، والعلاقة أن في كل من الاستثناء والغاية قصر الحكم، ففي الاستثناء قصره على المستثنى منه، وفي الغاية قصره على المغيا.

ومن ثم فيكون معنى الكلام هنا: لا تخرجي إلا أن آذن لك، فيكون الخروج ممنوعا إلى وقت وجود الإذن، وقد وجد مرة فارتفع المنع.

فإن قيل: إن أن مع المضارع بمعنى المصدر، والمصدر قد يقع حينا، كما يقال: آتيك خفوق النجم، أي وقت خفوقه، فيكون المعنى: لا تخرج وقتا إلا وقت الإذن فيجب لكل خروج إذن.

الجواب: يجاب عن هذا: بأنه يحنث حينئذ إن خرجت مرة بلا إذن. وعلى التقدير الأول لا يحنث، فلا يحنث بالشك، لأن الأصل براءة الذمة وإباحة الخروج.

فإن قيل: إن في تقدير الغاية تكلفا، والأولى تقدير الباء، فيكون المعنى إلا خروجا بأن آذن لك فيكون مآله ومآل قوله: إلا بإذني واحدا فيشترط تكرار الإذن لكل خروج.

الجواب: يجاب عن هذا: بأن قولنا: إلا خروجا بإذني كلام مستقيم، بخلاف قولنا: إلا خروجا أن آذن لك، فإنه مختل لا يعرف له استعمال ولا وجه صحة.

فإن قيل: لم يوجب الأذن لكل دخول في وقوله تعالى:"لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم". [4] مع أن المعنى حتى يؤذن لكم.

(1) راجع: صحيح البخاري بشرح فتح الباري: ج 4 ص 349، رقم 2135، وفتح المبدي بشرح مختصر الزبيدي: ج 2 ص 182.

(2) السلم لغة: السلف، وشرعا: بيع آجل بعاجل. راجع: مختار الصحاح: ص 311، فتح القدير للكمال بن الهمام على الهداية للمرغيناني: ج 7 ص 70.

(3) راجع: التحرير وشرحه المسمى بتيسير التحرير: ج 2 ص 103، ومسلم الثبوت وشرحه المسمى بفواتح الرحموت: ج 1 ص 242، وأصول السرخسي: ج 1 ص 227، والمنار وشرحه لابن ملك وحواشي الشرح: ص 479، والتلويح للتفتازاني: ج 1 ص 114 وبحوث في أصول الفقه للحنفية أ. د / شوكت العدوي: ص 34، 35.

(4) سورة الأحزاب: آية 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت