فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 70

أيقظكَ ضحك صاحبكَ المتفجّر من تداعياتك البعيدة.. كنتَ تتربّعُ على التراب قربَ حافة القبر.. قفزتَ في مكانك على قدمين متباعدتين، ورحت تنفضُ التراب عن مؤخرتكَ.. أحسستَ أنك أوغلت كثيرًا في دهاليز الماضي البعيد.. تذكرتَ قرارَكَ الأخير بالعودة إلى الحياة.. استبدَّ بك الحنين إلى أحبائِكَ وأهلِكَ وأصدقائِك.. نظرتَ خلفك، كان القبر يفتح شدقيه ببلاهة.. أعرضتَ عنه ورحتَ تغذُّ السير باتجاه المدينة.. كانت البشاشة والفرحة تملأان قسمات وجهك، عندما وجدت جسدكَ يدبُّ بين أزقة المدينة وشوارعها.. سرتَ مشدوها، مذهولًا، لم يأبه بكَ أحد.. أنت وحدّك تسير متمهلًا.. الناس من حولك يسيرون مسرعين متأفّفين... تعثرت قدماك كثيرًا.. اصطدمت مرارًا بالأجساد المتعّجلة.. تكورت على الاسفلت أكثر من مرّة.. لكنك كنت ماتزال فرحًا مسرورًا، لأنك بدأت بتحقيق حُلْمِكَ ياأبا الفهد.. كانت عيناك تمسحان كل شئٍ حولك.. بفضول غريب وقفتَ في منتصف الشارع.. لم يتوقف أحدٌ سواك... كلهم ذاهبون ورائحون.. أنتَ وحدك توقفت... حاولتَ أن تقرأ يافطة قماشية عريضة تأكل فضاء الشارع كلَّه.. ازورّت عيناك.. تلجلجت شفتاك.. مسكين ياأبا الفهد.. لكأنك نسيتَ القراءة والكتابة.. لجأتَ إلى التهجئة.. أخيرًا قرأتَ بفرح ساذج: أنتم على موعد مع فنان الشعب، ضارب الدربكّة العالمي الشهير حسوان الأسمراني... سُررتَ لأنك حللتَ لغز الكتابة.. لكنك مططتَ شفتيك، وتابعت سيرك متعجبًا مما قرأت..

كنت تمتطي متن الرصيف، وتنحدرُ إلى قاع الشوارع هربًا من الأجساد البشرية المتراصّة.. شئ ماذكرّك بعفونة القبر ولزوجته وصنانه.. غيومٌ سوداءُ حارّة خانقة تخرج من أمعاء السيارات لتحطَّ على رأسك ورؤوس الآخرين.. تساءَلتَ ببلاهة.. لماذا يخفضُ الناس رؤوسهم؟؟ لماذا لايرفعُ المرءُ رأسه وهو يسير؟!! تلمظتَ.. لوّحتَ بيدكَ.. لم تعرف شيئًا...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت