فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 70

قرّرت أن تمضي.. انحدرتَ إلى شارع آخر.. كان مكتظًّا بالمحلاّت التجارية.. عروضٌ مغرية.. ملابسُ أنيقة.. موادٌّ شهيّة.. بضائعُ آسرة... راقت لك تلك المشاهد، وقفت تراقبُ حركة البائعين والناس.. أجسادٌ فتيّة تتلوّى.. ابتسامات تتناثر.. انحناءات جسدّية تُمارسُ برقّة وأناقة، لاعهد لك بمثل هذه الطراوة واللباقة.. شدَّك المشهد أكثر.. اقتربت.. اصطدم رأسّك بواجهة زجاجية لم تكن مرئيّة.. ارتبكتَ كثيرًا.. نظر إليك الغلمان من الداخل .... أعرضوا عنك ... رحت تقرأ لوائح الأسعار . لم تفهم شيئًا بادئ الأمر.. تذكّرت أنه قبل أن يطبقَ القبر أحجاره عليك، كنت تخاتل البائع بأرقام سهلة الحفظ واللفظ والقراءة.. أما الآن وبعد أن لفظَكَ القبر من بين شدقيه.. الأمرُ عجيبٌ والأرقام غريبة مخيفةٌ مذهلة... قلتَ لنفسك: لعلني نسيتُ الحساب كما نسيتُ القراءّة.. آه لسذاجتك ياأبا الفهد... أسعدتكَ خواطرُك بأنك لست بحاجة لشراء أي شئٍ من متاع هذه الحياة الدنيا.. طربتَ لهذه المشاعر، ورحت تغذُّ السير تائها من شارع إلى آخر.. حاولتَ أن تستقرئ وجوه الناس، لم تستطع.. التجهّمُ يأكل الملامح... الحيرةُ تمزّق العيون.. الشّفاه تتمتم.. غريبٌ أمرُ الناس!! ماذا يتحدثون؟؟ أيحدّثُ الإنسان نفسه كالمجنون؟!!.. لم ترق لك هذه الظاهرة ياأبا الفهد.. وعندما تأكدتَ منها، انفجرتَ ضاحكًا بعنف.. قلت لنفسك: هذا عالم آخر، هذا عالم الجنون والكآبة.. أنت أيضًا ياأبا الفهد تحدّثُ نفسك دون أن تدري.. اشتقت كثيرًا لأن تزور الدائرة الرسمّية.. آهٍ ياأبا الفهد.. لقد كنت في يوم مضى وضمن جدران تلك المؤسسة مديرًا عامًا... نعم.. مديرًا عامًا.. سرتَ نحوها بخطوات ثابتة واثقة، لاتزال تعرف الطريقَ إليها.. قبل أن تلج البابَ الرئيس.. شددتَ ياقتكَ.. هذّبتَ شعرَ رأسك.. أدخلتَ أزرار معطفكَ في عراها.. تنحنحتَ قليلًا، ودخلتَ بكل كبرياء.. مشيتَ ببطء شديد في ردهات المؤسَّسة.. هذه غرفتي، غرفةُ المدير العام... كانت مغلقة.. طرقتَ البابَ بأدب وكبرياء.. لاأحد في الداخل.. البابُ مُرتج.. تجولتَ في الممرات،دخلتَ إلى غرفة الديوان العام.. كان غاصًا بالناس والموظّفين... بكل أدب واندفاع، أطلقت صوتك: السلام عليكم.. لم يأتك الجواب.. لم يلتفت إليك أحد.. كرّرتَ السلام مثنى وثلاث ورباع.. لم يردَّ عليك أحد.. لم يلتفت إليك أحد، كان الجميعُ غارقين في همسٍ كفحيح الأفاعي، وإشاراتٍ خرسٍ غامضة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت