فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 70

رجلٌ يسيرُ في المقدّمة... يرسلُ بين الحين والآخر أصواتًا مترنّمةً شادية.. يطلبُ فيها الرحمة والاستغفارلك.. يقطعُ صلاتهُ ليسأل قزمًا يسيرُ إلى جانبه سؤالًا على جانب من الأهمية.. لم يسمعهُ أحدٌ إلاّك.... عجيبٌ أمرُكَ أبا الفهد... لماذا تسمعُ كلَّ.شيء... من أين واتتكَ هذه المقدرة الخارقة.. لقد سمعتهُ يقول: هذا مدير عام.. يجبُ ألاّنقبلَ إلا بأجور تليقُ بمنصبه.. ثم يضغط بكفّه الكبيرةِ على كف القزم المجاور... حاولتَ أن تقول لهما شيئاَ .. خانتك حنجرتك .. تساءلت بمرارة: أين اختفى صوتي ؟؟ اعرضتَ عنهما ، كما حولتَ ناظريك عن مجموعة رفاق الأمس المتخاصِمين... تجولتَ بعينيكَ بعيدًا... سيلٌ متدفّقٌ من الرجال يسير وراءَك.. انصبّت عيناك فجأة على ابنكَ الأكبر.. كان مطرقًا حزينًا.. آثار الدموع النديّة تملأ مقلتيه.. حاولتَ أن تقترب منه لتقبلهُ وتمسحَ على شعره وخدّيه.. لم تستطع.. صرخت في أعماقك: ويلكَ ماأعجزكَ ياأبا الفهد... كان قلبكُ يتكسّر إذ تصورتَ أن ابنك سيتركُ حياتهُ الجامعية ليستطيعَ مواجهة حياته المقبلة الصعبة... وخَزَكَ الألم والنّدمُ بقسوة.. تساءَلتَ بمرارة: لماذا لم أترك له ولإخوته مايقيهم شرَّ الدنيا والحياة؟؟!!.. لماذا أنفقتُ كلَّ مالديَّ، وقد كانت جيوبي وخزائني متورّمة تضيق بما فيها!!.. شعرتَ بالندم والاستخذاء، لأنكَ أتلفتَ كلَّ شئ.. لكنك سريعًا ماتسلّحتَ بمبرراتٍ مقنعة.. قلت لنفسك: لم أكن أتوقعُ أن أموتَ قبل الأوان هكذا فجأةً... تبًّا للموتِ ماأقساه.. كان يجب أن يمهلني كي أشبعَ من دنياي، وأتركَ أولادي من بعدي في بحبوحة من أمرهم... لكنك ياأبا الفهد... استراحت خواطرك وأعصابُكَ عندما تذكرتَ وأقنعتَ نفسكَ أن الأعمار والأسعارَ والأموال والقصور بيد الله وحدَه...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت