أجل.. ياأبا الفهد.. ظللتَ تتابع رحلتّكَ محمولًا على الاكتاف، تنظرُ إلى الحشد الهائل المحيط بك في ثنايا رحلتكَ الهادئة.. فلا تحدّثُكَ روحُكَ، ولا تتّخذُ في قلبك إزاءَ أيِّ واحد منهم حقدًا أو حسدًا أو عتابًا أو ملامة... عرفتَ أن الطريقَ، طريقَ الرحلة طويلٌ والمزارَ بعيد.. قلت: لامتّعْ ناظريَّ بهؤلاء الناس الذين غمروني بفضلهم، والتفّوا حولي وورائي، كما يلتفون حول زعيم أو وجيه، وتجشّموا عناءَ المسير كي يدلّوني على الطريق... هاهم رفاقُك في الوظيفة الذين قضيتَ في مصاحبتهم ردحًا من عمرك.. كنتَ وقتئذ تشغل منصب مدير عام.. أي نعم ياأبا الفهد.. مدير عام... نظرتَ إليهم بعيون عقابّية ونظرة حادّة.. أحدٌ منهم لم يُعركَ انتباهًا.. كان يشغلُهم أمرٌ آخر.. أصابَكَ ذهول محيرّ... أنصتَّ إليهم برهافة... كانوا يتهامسون وهم يتعثرون في مشيتهم.. إلا أنّ أذنك المرهفة سمعتْ كلَّ نأمة وهمسة.. كانوا يتجادلون بعنف، ملامحُ وجوههم تفضحُ أسرارهم.. أحدهم يتهجّم.. الآخر يهادن.. الثالث يلوي أذن الرابع ليقولُ له شيئًا لايرغبُ فيه أحد.. اشتدَّ الخلاف بينهم.. كادوا يتشاجرون... من سيخلفُكَ في منصب المدير العام، وهو منصبٌ أنت أعلم به ياأبا الفهد... منصبٌ خطيرٌ وهام.. يقودُ صاحبه إلى الوجاهة والرفاهية وتحقيق الاماني الصغيرة والكبيرة.. ويقلب تفاصيلَ حياته رأسًا على عقب.. ساءَكَ جدًا ياأبا الفهد.. أن يختلف الناسُ من بعدك... فلجأتَ إلى الصمت المطبق ورحت تفكر....