والطفيلياتِ والهالوك المستبدَّ على جذور مايكتبون."توقّفَ قليلًا عن الكلام، حملقَ بعيدًا أحسستُ أنه يريد أن يتابع.. لم يترك لي فرصة التساؤل.. تابَعَ:"إن الإصابة بالجلطة الأدبية والفكرية لم تترك شيئًا، تناولَتْ كل الموضوعات الكبرى.. كل مناحي حياة الإنسان الراهنة.. جلطة في فلسطين والصومال واليمن والخليج وأفغانستان والبوسنة.. جلطة في الجهات الأربع..""
أصابني حديث الرجل بالذهول المطلق، غبتُ عن الوعي.. أخذتُ أسمع صوتًا يتهدّج ويهدر دون أن أعي شيئًا.. دخلتُ في مساربَ متعرجة، رحتُ أبحث عن مُسبّبات الهالوك والطفيليات والجلطة.. اعترتني رعْشةٌ مفاجئة عندما أحسستُ بيد الكهل تهزني وتعيدني إلى واقعي.. ابتعد عني خطوة واحدة.. لوّح لي بيده ومضى.. نظرتُ حولي.. كل شئٍ كعهدي به، كنت أضغط كوب القهوة بين أصابعي، خفتُ أن أحطمه.. دفعتُ مابجيبي وخرجتُ كالمصعوق. غطستُ في مستنقع من التساؤل المرير.. الهالوك.. الطفيليات.. الجلطة الأدبية.. الرجل الكهل.. لماذا انسحب بسرعة!!... تقاذفتني الأرصفة، سقطتُ في نشوة من نوع غير مألوف.. استسلمتُ للأوهام والهواجس، أريد أن أكتب قصة جديدة سأقدمها غدًا لسكرتير التحرير.. ولكن.. ولكن، ماذا أكتب؟ من أين أبدأ؟... تبًَّا لذلك الكهل، لقد سحب مني كل مبادرة.. أصابني بالإحباط والإحساس بقرب الجلطة... غامت المدينة في ناظري، تداخلت دوائر الظلام والضوء.. تلاشت أصوات قرع قدميَّ على بلاط الرصيف.. غطستُ في بانوراما ممتدة لانهاية لها.. دوائر تتلوها دوائر، أسبح في جو هلامي لاحدود له، فقدتُ الإحساس بنفسي، وظلَّ صدري يعلو ويهبط بفعل استمرار الحياة.. فجأة شعرتُ بيدٍ فولاذية تشدني إلى الوراء.. توقفتُ عن السباحة في هلام المدينة.. تحسستُ الرصيفَ تحت قدميّ تلاشت الدوائر المتداخلة، فتحتُ عينيَّ على غبش مفاجئ، التفتُّ إلى الوراء والتوترُ يأكلني، كانت اليد الصُّلبة ماتزال تمسك كتفي بوحشية.. شاهدتُ جسدًا ضخمًا يتوِّجُهُ رأس كبير.. فركتُ الغبش عن عيني، فزعتُ من الأعماق، حاولت التراجع إلى الوراء.. لم أتمكن.. كان الجسدُ جسدَ رجل، والوجهُ وجهَ ذئب.. جبنتُ عن الصّراخ، حاولت أن أدفعَ يدَه عني، لم أتمكن.. أظافيرُه انغرست في كتفي النحيل.. ضحك بشدّة، فبانت له أنيابٌ حادة، وشدق واسع مخيف.. قال لي: "ماأسرع خطواتكْ، أجهدتُ نفسي كثيرًا للّحاق بك مذْخرجتَ من باب المَقْصِفْ، حتى وصلتُ إليك الآن.".."