فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 70

تكفيني لاحتساء فنجان من القهوة فحسب.. كان جو البهو العريض مشبعًا بدخان السجائر.. انتحيتُ جانبًا، فتشتُ في الزوايا، لم أجد طاولة فارغة، عدا واحدة قد ابتعدت عن الزحام، يجلس إليها رجل كهل تدلُ ملامحُ وجهه وشعرُ رأسه أنه يتدحرج نحو العجز والشيخوخة. أمامه كأس طويل من الشاي الساخن يداعبه بأطراف أنامله.. عجبتُ لوجوده في مثل هذا المكان.. استأذنته بالجلوس، فأذن لي باشًّا مسرورًا، لكأنّه كان ينتظر قدومَ رجل مثلي.. وقبل أن أجلس على الطرف الآخر من الطاولة، شكرتُ الرجل الكهل، وطلبتُ من النادل فنجان قهوة خالية من السكرّ.. لم تكن لديَّ رغبةٌ في أن أمكث طويلًا.. جلستُ محاذرًا الخوضَ في أحاديث طويلةٍ مملّة.. أريد أن أخلو إلى نفسي، وأثيرَ كوامنَها، لعلّي أبدأُ في إمساك خيطٍ ينتهي بي إلى كتابة قصة.. صوتُ سكرتير التحرير يقرع رأسي.. ساعةُ الجدار المعلّقة تنبئني بهروب الزمن، وغرفتي الصغيرةُ تضيق وتضيق من حولي.. حدجني الرجل الكهل بنظرات متعالية.. حدّقتُ فيه مليًا، وجدتُ في نظراته رغبة ملحّة في أن يتحدث، كانت أصابعهُ تطوي بأناة وتمهّل مجلةً ملونة وتدسُّها تحت إبطه.. سألته: ماذا قرأت في هذه المجلة.. فَرَدَها من جديد على الطاولة، لم تكن بي رغبة في القراءة. قال: كل مايُكتبُ سطحيٌّ ومكرور وساذج... رفعتُ حاجبيَّ عجبًا وفغرتُ فمي... تابع قائلًا: يبدو أن مهنة الكتابة أُصيبت في هذه الأيام بالجلطة، وقد تنتهي إلى السكتة القلبية.. أُعجبتُ بهذه الكلمات القليلة، شدّتني إلى الرجل أكثر، أخرجتني عن حيادي وعزلتي.. ماأجمل هذه المصادفة، لعلها تكون مَدْخلًا يفضي إلى كتابة قصة.. سألته: الستَ جائرًا في حكمك على مهنة الكتابة؟؟.. ضحك ملء فمه، كشف عن أسنان صُفْرٍ غير متراصّة.. أجاب باندفاع وقور: لا.. لا أبدًا.. سألتُهُ وأنا أبحث في عينيه عن شيء ما: وكيف ذلك؟؟ .. أجاب:"أنا أتابع الأدب السياسي والاجتماعي.. كل ماأقرؤه هراء وسذاجة وبعد عن الحقيقة.. يتحدثون عن الشعوب والمستقبل، فيفرشون الطريق أمامها أشواكًا وضبابًا.. يسوّدون الصفحاتِ حديثًا شيقًا عن مفاهيمَ غائمةٍ أسموها، الديمقراطية والبيروسترايكا والرأسمال ومستقبل الحضارة والنفط والتكنولوجيا وتطورَ العلوم والعلاقات الإنسانيةَ.. وأشياءَ كثيرة.. الكتابُ يجهلون صورة الوجه الآخر لهذه الكلمات الطنّانة.. لايَعُون حقيقة مايتحدثون عنه... لم تكتشف أفكارُهم الطحالبَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت