فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 70

في هذه الأيام.. توغَّلَتْ لهجتُه الساخرة في أعماقي.. أبدًا لم يكن يريدُ أن يسخرَ مني. ولكنه هكذا بدالي.. نهضتُ عن الطاولة بعنف، خطوتُ بسرعة إلى حيث يربضُ جهازُ الهاتف، وبيدٍ متصلّبةٍ عمدتُ إلى شريط الهاتف ونزعته من مربِطه، خفتُ من الرنين المفاجيء.. الزمنُ يوغل في دهاليز الظلام أكثر.. الساعة المعلقة على الجدار تُنبئ عن زحف الدقائق... عبرَ النافذة الوحيدة، كان الظلام يبسط جناحيه على الشوارع الممتدّة.. سرحتُ بناظري متجاوزًا حدود النافذة الضيقة.. مصابيح الكهرباء المنتشرة في كل الزوايا، تبدّد في دوائر مغلقةٍ سوادَ الظلمة، فتلّونُ الجوَّ الكئيب بخيوط لامعة.. النافذة الضّيقة لم تمنع جسدي الضئيل النحيلَ من الخروج.. خرجتُ منفلتًا دون أن أصطدم بالزجاج السّميك.. هبطتُ إلى الشارع بصمت مذهل مُجلّل بالكآبة.. لم أسمع صوتَ ارتطام قدميَّ بالأرض، ورحتُ أنتعلُ أرصفةً تائهة لاحصرَ لها.. لم أشعر بالكلل والتعب أبدًا، فبيني وبين المشي صداقة حميمة، أمشي وأمشي بدون توقّف، لاأحبُّ أن أحشر جسدي في زحام السيارات والحافلات.. لم أسأل نفسي إلى أين أسير.. أفسحتُ لقدميَّ فرصة القيادة، فهما خيرُ دليل في غمرة الزّحام الصعب. ودون قرار مُسبق كنتُ أحاول أن أظلَّ متدثرًا بعباءة العتمة، مبتعدًا عن دوائر الضوء الصارخة وأصوات الناس ولَغَطِهم المتداخل.. صوتُ سكرتير التحرير يثقبُ أذنيَّ هذه المرة.. لعلَّ الصّمتَ والسّباتَ الرمادي الذي سقطتُ في أمواجه، جعلني أواجه الصوت قويًا ثاقبًا.. أريد أن أكتب.. أكتب قصة.. أكتب أيَّ شيء... ذهني صندوق مقفل... أعصابي يلفّها الصقيع، والقلم يتأوّه بين أصابعي مستغيثًا متحسرًا.. فجأة وجدتني أقف مذهولًا أمام باب عريض تنبعث منه أضواء خافتة... آه... إنه مَدْخَلُ"مَقْصِف النخيل". لم أكن من روّاده الدائمين..ولكني ألفتُ التردُّدَ إليه بين حين وآخر. وجدتُ في داخلي دافعًا يدفعني للاستراحة والابتعاد عن التسكع.. شعرتُ بيد خفيّة تسحبني إلى الداخل. وبرشاقة اعتادها جسدي النحيل، تسللتُ عبر باب المَقصِفِ الخارجي. ومن ثم الباب الداخلي... بين أشداق البهو الكبير المكتظ بالجالسين، وقفتُ طويلًا.. راقني منظر الكؤوس المترعة، والشفاهِ التي تمتصُّ منها رحيقَها، وأصواتُ فوّهاتِ الزجاجات الملّونة التي تفرغُ روحَها عبر الكؤوس.. امتدت يدي إلى جيب سترتي، تلمّستُ الليرات القليلة التي تنام في قاعها.. لعلها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت