جمعتُ بقايا شجاعتي المنهارة وسألته بخوف:"وماذا تريد منيَّ."قهقه بصوت عالٍ، هزني بيده الفولاذية.. خلتُ نفسي كفأرة صغيرة بين مخالب هرشرس.. اقترب من أذني وهمس متصنعًا المودّة:"لاشيء.. لاشيء.. أريد أن أتأكد منك.. ألستَ فلانًا.".. أخرستني المفاجأة.. لم أنطق بحرف.. دفعني بأصابع يده.. كاد يقذفني في الهواء.. ابتعد عنّي وسار في الاتجاه المعاكس.. كاد قلبي ينخلعُ من مكانه.. احتميتُ بالظلمة ورحتُ أداري مخاوفي.. لم أفهم تفسيرًا لما حصل.. أسرعتُ وفي سيري، انزلقتُ إلى شارع آخر، أخذتُ أعدو غير آبه بشيء.. كان خوفي أن التقيه مرة أخرى يمزق مفاصلي وقلبي.. تابعتُ العدوَ وأنا ألهث بشدّة.. أوقفني في منتصف الطريق ضوء مبهر عنيف، سدَّ علي منافذ الطرق.. خبّأتُ عينيَّ الكليلتين براحتين مرتجفتين.. اقترب الضوء أكثر، شيءٌ مايهدر بجانبي، توقفت سيارة، أطفأت أنوارها، فغطستُ في أمواج الظلمة من جديد.. امتدَّ رأسٌ ويدعبر نافذة السيارة، صَدَرَ عن الرأس فحيحٌ خافت:"تعالْ.. تعالْ.. سنوصلك إلى منزلك، ألا ترى أن الليلة باردةٌ جدًا، والجو ينذر بالمطر الشديد.".. تخثرت الكلمات في حلقي، ازدردتُ لعابي مرّات ومرات، حاولتُ أن أشكر الرأس الممدود، لم تخرج من حنجرتي كلمةٌ واحدة، تسمّرتُ في مكاني كوتد مهملٍ في العراء، لم يعد عندي رَغبة في أيِّ شيء، الحياةُ والموتُ سيّان، خرج الرأسُ إليّ، قبضَ على يدي، قادني إلى باب السيارة، كنتُ مستسلمًا بلا إرادة... دفعني إلى الداخل وجلس بجانبي... أيقظني صوت المحرّك، تساءَلت: ماذا يحصل؟!!. إلتفت إليَّ الرأس الذي يجلس بجانبي، بادلني نظراته، ضحك، فإذا له شدق واسع عريض وأنياب ذئيبة حادة كتلك التي شاهدتها.. افترسني الخوف أكثر واحتميتُ بالصمت تاركًا نفسي لمصير مجهول... تطاول بنا الزمن أو هكذا شعرت.. توقّفت بنا السيارة أمام مبنى كبير جدًا، يتصل بالحياة عن طريق بوّابة واسعة.. قال الرأس بفحيحهِ المألوف: انزل... قلتُ له:"ولكن هذا ليس منزلي".. كشّر عن أنيابه الحادة وبسرعة البرق نزل وانقضَّ على الجانب الآخر، ضغط على كتفي بقبضته الفولاذية وأنزلني بقسوة، ثم دفعني بعنفٍ عبر البوابة وأغلقها من جديد... أصبحتُ وحيدًا في عالم مجهول، سرتُ في دهليز طويل متعرّج.. في كل منعطف، كان يقف رجل له جسد ضخم، ورأس كبير، وأنيابه حادة، ويطلق فحيحًا مخيفًا، يضغط على عنقي بقبضةٍ جّبارة ويسلمني إلى الآخر... في