فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 70

...."كان عليَّ أن أكون واقعيًا أكثر.. لقد كنتُ مسوقًا بعواطفي.. مندفعًا بأحاسيسَ تتعالى على الواقع المر.. ماذنبُكِ أنتِ ياسوسن.. سنظلُّ معًا نتقنُ لعبةَ الإغماءَة.. ونجيدُ نزيف الألم بحثًا عن الفردوس المفقود..."

.. استاذ.. مامعنى هذه العبارة:"فهو على مر الأجيال شمعة تحترق."؟؟

.. اجلس ياسعيد.. من منكم يشرح هذه العبارة؟؟...

سقطت غرفة الصف في دوّامة من الهمس الدافيء.. لم يرفع يدَه أحد.. خرج الاستاذ سامر عن تشتّته.. حنجرتُه تغصُّ بالخثرات.. صوته متهدّج.. راح يشرح..

... المعلم يحمل مَهمَّةَ تنوير الأجيال.. وهذا يقتضيه جهدًا شاقًا.. فهو بذلك كالشمعة التي تذوب شيئًا فشيئًا..

ابتسم الطلاب بخبثٍ طفولي.. أحسَّ الاستاذ بشرخ حادّ في نفسه.. تابع مازن قارئًا:

.. فالمعلم أداة تطور الشعوب والأفراد، وهو عنصر رئيس من عناصر بناء المجتمع

....."ولكن سوسن مثلي.. نحن شريكان في مواجهة الحياة.. كلانا مسحوق، يبتلعنا رجال من اسمنت وحديد.. تلفنا دوامة الشقاء فتعركنا.. المدينة تتسع وتتسع... تبتلع الأرض والهواء.. ويغدو البيتُ حلمًا.. أسطورة.."

أيقظه صمت الصف الدافيء... تنبّه.. نظر إلى مازن بعيون متسائلة..

.. لماذا لاتقرأ؟؟.. أجاب مازن:

.. لقد أنهيت.. قرأتُ كل ماكتب على السبورة..

دخل الاستاذ في متاهات غيظ حقيقيّ مر.. خشي أن يقرأ الصغار تشتتّهُ وأفكارَه الحبيسة.. عاد إلى وعيه وقال:

.. من خلال ماقرأ تم.. ليكتب كل منكم موضوعًا تعبيريًا.. وابدؤوا للحال.. تصاعدت في جو الصف همساتٌ وحركات وضجيج خافت.. مالبث أن انتهى إلى صمتٍ لايخدشه إلاّ أصوات صرير الأقلام الخرساء على السطور البيض..

ابتلع الصمتُ الغرفة من جديد.. وحلَّقَ في الغرفة بخارٌ يتلوّى ببطء....

...."سأواجهها بالحقيقة.. إنها فتاة طيبة وادعة.. أحبها ملءَ قلبي.. إنها معلمةٌ مثلي.. شمعة تحترق.. فلتحترق مثلي بنار رجال الاسمنت والحديد.. ودخان الألوف والملايين التي تَدُكُّ الجيوب.. سوسن.. لك الخيارُ المرُّ.. فإما صمود تحت مطارق الشقاء.. وإمّا فراق لالقاء بعده.."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت