فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 70

تماهت مع أحلامها.. اضطرب شريط الذكريات أمامها.. نقلهاإلى محطات لولبيّة ضبابيّة وراحت تتخبّط.. غاصت بعيدًا في أوحال المدينة الظالمة... انتشلها من الطين، شبحُ رجل يقف إلى جانبها، يمسكُ حافةَ الطاولة بأصابعَ متشنّجة... فاجأها سامر.. أعادها إلى واقعها.. حاولت أن ترحّب به، تخثّرت الكلمات في حلقها.. كان واقفًا أمامها كأنه تمثال من حجر.. مافتئ ينظر إليها بعينين خاليتين من البريق.. وما فتئت هي تتقلّب في أحضان المباغته... كسرت طوق الجليد.. رسمت على شفتيها ابتسامةً مصنوعة.. سألته بصوت هامس:

سامر.. لقد تأخرتَ كثيرًا!! ألم تتوفق في العثور على بيت؟؟..

بلى ياحبيبتي لقد عثرت..

هنيئًا لنا... وكم أجرته؟؟...

غرس عينيه في عينيها.. تلّمظَ قليلًا..

فقط.. ثلاثة آلاف ليرة سورية، تُدفع في مطلع كل شهر...

سقطت الابتسامة عن شفتيها.. صاحت:

... ماذا...!!

نعم.. والوسيط يريدُ ألف ليرة...

شعرتْ بغثيان مباغت يجتاح جسدها.. توحّدت مع كرسيّها... ظل سامرٌ واقفًا كجذع شجرة كُسِرت أغصانها.. سافر كلٌّ منهما إلى شواطئ بعيدة، بينما كان السُّباتُ يفقأُ العيون....

وقف كبيرُ الطلاب وراء باب الصف، وراح يختلس نظراتٍ مرحةً إلى البهو.. صاح.. إجلسوا في أماكنكم.. لقد جاء الاستاذ.".... انتصب الاستاذ بقامته الفارعة وراء طاولة الصف... وقف الجميع.. ساد صمت مذهل.. أشار بيده فجلسوا.. تبادلوا فيما بينهم نظراتٍ ذاتَ معنى.. أمسك الأستاذ قطعة حوار أبيض.. كتب: الحصة الأولى.. المادة تعبير.. الصف التاسع الإعدادي.. ثم راح يملأ فراغ السبورة...

وقف أحد الطلاب مقلّدًا الاستاذ في تقطيب حاجبيه، وتجهّمِ ملامحه.. ضحك الجميع ضحكًا أخرس، واختبأ كل منهم وراء ظهر رفيقه...

استدار الاستاذ... بصوت واثق رزين قال:

إقرأ يامازن..

وقف مازن.. حزمَ أمره، وأخذ يقرأ:

المعلمُ ذلك الإنسان المعطاء.. المكافح أبدًا.. يعطي ولايأخذ..

....."ثلاثة آلاف ليرة سورية في مطلع كل شهر.. لكأنها قصة من قصص الخيال... إذا كان راتبي لايزيد عن ألفي ليرة إلاّ قليلًا.. فمن أين أتدبَّرُ أمر الألف الثالثة!!"

جاءَه صوتُ مازن يقرأ متعثرًا..-.. إنه مثالٌ للتضحية... فهو على مرِّ الأجيال شمعةٌ تحترق لتضيء الدربَ لغيرها..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت