فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 70

قرعَ أذنيه صوتُ تلميذ من آخر القاعة.."أستاذ لقد أنهيت كتابة الموضوع.".. أزعجه أن يتخلص من خواطره الدّبقة ويعودَ إلى الواقع المر.. راح يجوب الغرفة بين المقاعد، يدقّق فيما كتبه التلاميذ... أَحسَّ بالنزيف يتعمّق.. توقَّف فجأة إلى جانب طالب أكبَّ بمرفقيه على ورقته.. كان خيال سوسن مايزال يداعب مشاعره، والهمُّ يقتات جسده بشراهة....سحب الورقة من بين يديه.. قلّبها.. إنها بيضاء.. لم تسوّد سطورّها أيّةُ كلمة.. وجَّه إليه نظراتٍ متسائلة..

... لماذا لم تكتب شيئًا؟؟..

سكت الطالب طويلًا.. ألحَّ عليه المعلم.. أجاب بصوت هادئ:

.. لم أعرف ماذا أكتب...

رفع الاستاذ حاجبيه، وقد تمزّق أكثر.. الشروخ ازدادت عمقًا في داخله..

.. لماذا‍‍‍‍!!؟؟

أجاب الطالب بجرأة مهذّبة:

لست أدري.. كيف يمكن للمعلم أن يحترق ويعطي بآن واحد!!...

شيٌ ماحادٌّ وخز الاستاذ سامر .. حدّق في الطالب مليًا .. تفجرت في أعماقه أفكار مكبوتة حبيسة.. التمع في عينيه ماءٌ عذبٌ فّياض.. رحلَ إلى آفاقٍ بعيدةٍ غير محدودة.. وضع يده على السبب.. ظل لفترة غير قصيرة ساهمًا شاردًا... عاد لوعيه.. وضع يده على كتف الطالب ربت عليها برفق وقال له:

... أحسنتَ يابني.. ورقتُك ليست بيضاء، فلقد كتبتَ كلَّ ماينبغي كتابتُه..

وفيما كان جرس نهاية الحصة يقرع.. كان المعلم ينسحبُ من الغرفة وهو يختزل في رأسه كلَّ صور الأحلام والرغبات والذاكرة المتعبه.. ويمضغ في سره كلمات لايستطيع الصغار فهمها..."كي يحترق المعلم، يجب أن يطمئن إلى حياته وكرامته.. بعيدًا عن صحراء الحياة ومستنقعاتها."

استوقفه مدير المدرسة.. قدّم إليه بطاقة صغيرة.. قرأ البطاقة: المركز الثقافي العربي يدعوكم للاستماع إلى المحاضرة التي يلقيها الدكتور (س) بعنوان"التضخم السكاني والتنمية"... وذلك في الساعة السادسة من مساء يوم الأحد

في قاعة المركز... لم يجد الاستاذ سامر مقعدًا فارغًا في الصفوف الأمامية.. لاب بعينيه، التجأ أخيرًا إلى مقعد في الزاوية اليسرى من الصف الخلفي.. غاص في مقعده، مسحّ المكان بعينين حادتين.. لم يجد أحدًا يعرفه.. كان يرغب في أن يحدِّثَ أحدًا.. غرق في متاهاته وراح ينحت تماثيل مشوهةَ ويبني قصورًا بلا أعمدة....

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت