من يده إلى حيث يجلس الوجيه الكبير.. كان واحدًا من مجموعة من الرجال يتحلقون حول مائدة مستديرة مترعة بالورود والكؤوس.. ويبدو أن حديثًا حارًا يستقطب الجميع.. عاد الارتباك من جديد يفصمُ الاستاذ مسعود ويمزّقه من الداخل.. هتف به صوت داخلي.. تشجع.. أنت زميل النعسان وصديق عمره وابن قريته الصغيرة.. ثمّة ممراتٌ ضيقة تحوطها أصص الورد والشجيرات الصغيرة.. سار عبرها متعثرًا.. ندم على مغامرته هذه.. تمنى لو يعود بالألم والصبيّ إلى الضيعة.. وليقضِ الله في ذلك مشيئته.. لكنه سرعان ماتخلّص من حرجه وإرباكه.. اتجه نحو النادل القريب.. طلب منه باحترام شديد أن ينبّه السيد النعسان إلى وجوده.. لحظات قليلة.. التفت الرجل.. وقف بتثاقل.. أقبل.. واجه الاستاذ مسعود مباشرة.. آه.. إنه هو... هونفسه عبد اللطيف النعسان.. لم يغيّره الزمن.. بعضُ الشيب قد غزا شعرَ رأسه.. تمرُّ لحظات صعبة حرجة.. يمزّق الاستاذ مسعود لوحة الحرج بابتسامة طفيفة يرسمها على شفتيه.. يخرج الوجيه الكبير عن تجهّمه قليلًا.. يتذكر.. يرحب بالاستاذ مسعود ترحيبًا لم يدخل إلى قلبه الطمأنينة والراحة.. يطلب النعسان من صديق عمره وابن قريته أن يجلس إلى طاولة منفردة ريثما ينتهي من مهامّه.. قفز قلب الاستاذ من صدره.. أخطره أنه جاء إليه في مهمة عاجلة جدًا لاتحتمل التأجيل، وأنه قَصَده طالبًا معونته، راغبًا في"إيده الطايلة".. تذكر الاستاذ بمرارة أن موكب الألم الحزين لايزال ينتظر في الشارع، وأنَّ الصّداع نخرَ دماغ الفتى وأعصابه.. توجّه إلى صديق عمره بالرجاء والتوسّل.. بدا الضيق واضحًا على وجه الرجل الكبير ابن القرية الصغيرة.. لكنه غالب ضيقه، واستمهل جُلاّس مائدته المستديرة بإشارة من يده.. روى له الاستاذ القصة باهتمام بالغ وأسلوب مؤثر، محاولًا تحريض نخوته وأصالته الريفية.. ابتسم الرجل الكبير ابتسامةً باهته.. مطَّ شفتيه.. ورفع حاجبيه.. قال:
-.. لاأجد شيئًا يقتضي السرعة!!.. ماذا تريدني أن أفعل؟؟
صُعق الاستاذ مسعود.. غرق في مستنقع الخيبة والاحباط، واستسلم بصمت مرهفٍ لم يدم طويلًا، لأن الوجيه الكبير قطعه محدّثا نفسه:
حتى في أوقات راحتي وصفائي.. لاأجد فرصة للراحة.. هل عليَّ أن أزعج الأطباء في بيوتهم حتى أدخله المشفى..
سقطت من بين شفتي الاستاذ كلمتان صغيرتان:
.. كنتُ أظنُّك...