فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 70

استيقظ الصباح.. ثلاثةُ رجالٍ، كانوا يخدشون الصمت على الطريق الترابية الضيقة.. هدرت السيارة العتيقة.. راحت تخبُّ على الطريق الاسفلتية العريضة.. وصل الركب إلى العاصمة.. الحزن والصمت يجّللان الوجوه.. صخّبُ المدينة وضجيجها يقتلعان الصمت الحزين من جذوره، ويفتتان أكبد الوافدين الثلاثة.. تماسك الاستاذ مسعود، أبدى كثيرًا من التجلّد والصبر.. آهٍ... لشدَّ ماتغيرّتِ أيتها المدينة العملاقة، لقد تغيرَّ فيكِ كل شئ.. المباني.. الوجوه.. الشوارع.. نكهة الأصالة والمودّة.. هنا..لا أحدَ يعرفُ أحدًا.. كان الاستاذ يقود الركبَ مسترشدًا بالعنوان الذي منحه إيّاه أحمد النعسان ابن عمِّ الوجيه الكبير.. كان الصبيُّ يشدُّ رأسه بحزام حريري، ويسير إلى جوار والده شاحبًا، تائهًا عن كل شئ.. أمام مبنى سامخٍ جميل، توقّفِ الركب.. نظر الجميع إلى البناء بعيون بلهاء.. تلمّظَ الاستاذ مسعود، قلّبَ كفيه.. تجوّلت عيناه لتمسح المبنى الفاره بكل نوافذه وشرفاته وبوّابته العريقة.. دلف الركبُ عبرَ البوابة.. تعرَّف الاستاذ إلى الشقّة التي يسكن فيها عبد اللطيف النعسان.. أمام باب الشقّة استسلم الركب الحزين لصمتٍ مطبق.. نظر الاستاذ مسعود طويلًا إلى زرِّ جرس أنيق مضاء.. يجثم على جانب باب الشقّة.. اقتربت إصبع كفّه اليمنى من الجرس وابتعدت مرارًا.. أخيرًا حزم الاستاذ أمره وغمز زر الجرس بكثير من التشنج والانفعال والحذر .. خرجت صبية صغيرة من بنات القرية تعمل خادمة في منزل الوجيه الكبير ابن قريتها . تعرفت إلى الأستاذ بسهولة وعفويّة.. ابتسمت له بعمق.. رحّبت به بحرارة.. لكنها اعتذرت بخجل مرهف.. فدخوله المنزل مستحيل، لأن سيدها غائب.. أعلمتهُ عن ضرورة ارتباطه بموعد مسبق إن أراد المجيء إلى منزل سيدها مرة ثانية.. كان الخجل من الموقف يأكل عينيها ووجهها.. عرف الاستاذ مسعود من الفتاة أن سيدها صديق طفولته وعمره، موجودٌ الآن في صالة نادي الشرق.. إذ اضطرَّ للذهاب إلى هناك إثر مكالمة هاتفية وصفها بأنها هامة.. اتجه الركب الحزين يحمل آلامه إلى النادي.. أمام مدخل النادي الخارجي وقف الألم الذي يوزّع على ثلاثة رجال.. شخص الألمُ بعيون كثيرة نحو المدخل العجيب.. بعد رجاءٍ ملحاح أذن موظف الاستقبال الأنيق، ذو القدّ الأهيف، أذن للاستاذ فقط بالدخول عبر أبهاء النادي.. سار الاستاذ متعثرًا، مشدوهًا لكل شئ يراه على الجانبين.. دَلّهُ موظف الاستقبال بإشارة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت