فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 70

تلك الليلة لم يعرف النومُ سبيله إلى عيني الاستاذ مسعود.. قضى ليلته مسّهدًا يحاور نفسه... غطس في مستنقع من الحيرة والتردّد... راح يستجرُّ وقائع الماضي الجميل... إنه منذ عهد بعيد لم يزرِ العاصمة.. كاد ينسى شوارعها وأزقتها ومبانيها.. قديمةٌ جدًا هي آخر مرة زار فيها المدينة الكبيرة .. كان ذلك في أيام الشباب المبكر ، عندما اضطرَّ للذهاب إليها ليقدّم أوراق تعيينه لدى وزارة التربية، قضى فيها أيامًا عدّة، حلَّ فيها ضيفًا على عبد اللطيف النعسان، صديق عمره، وابن قريته، وزميل الدراسة.. إيه... كانت أيامًا جميلة على الرغم من شراسة الظروف وقساوتها.. منعه الفقر في تلك الأيام من مواصلة دراسته الجامعية، بينما تابع صديقُ عمره عبد اللطيف النعسان دراسته الجامعية في كلية الحقوق.. منذ ذلك التاريخ اختلفت السّبُلُ بينهما، وانقطع الاتصال إلاّ من زيارة خاطفة سريعة.. عبد اللطيف النعسان ندرت زيارته لقريته الأم، واستسلم للاسترخاء الممتع في أحضان المدينة الشاسعة.. وراح يشقُّ طريقه عبر مغريات المدينة نحو العلاء وتحقيق الذات.. ترى.. هل سيتعرّف عليَّ عبد اللطيف النعسان؟؟!! هل سيتذكر صديق طفولته وأيّام صباه؟؟!!.. هل سيرحّبُ بي وأنا القرويُّ الساذج والموظف الصغير.. وهو ابن المدينة الغني وصاحب المركز والجاه الكبيرين..

عندما وصل الاستاذ مسعود بخواطره إلى هذا المنعطف، ضحك من عفويّتهِ وشكوكه.. وأنّب نفسه لأنها تطعن صديق عمره وزميلَ دراسته القديم.. لا.. لا.. إن عبد اللطيف النعسان هو السَّندُ الوحيد لنا، ولكل أبناء هذه القرية، في تلك المدينة الصخّابة المتلاطمة الامواج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت