فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 70

فجأة صحا الاستاذ من نومه.. لم يدم نومه طويلًا.. خيل إليه أنه في حلم، أو أنّ هناك شيئًا مفزعًا داهم بيته وعائلته.. هبَّ من فراشه مذعورًا.. استعاذ بالله.. مسح وجهه ورأسه بكفّين دافئتين.. فرك عينيه محاولًا إزالة آثار النوم عنهما... أنصتَ بقلق.. التفت حوله، لم يسمع شيئًا.. قال في سرّه.. اضغاث أحلام.. حاول العودة إلى النوم.. إلاّ أنَّ طرقاتٍ قوّيةً على الباب الخارجي تتالت بتواتر متشنج.. انطلق من غرفته باتجاه الباب، تعثر في مشيته عدة مرّات.. أزاح مزلاج الباب الحديدي، وهو متدثّر بالصمت والحيرة.. لم يملك أن يقول شيئًا لأن جاره أبا الحسن اندفع إلى الداخل مستغيثًا صارخًا بأعلى صوته:

..استاذ مسعود.. أنا بعرضك...

ظل فمُ الاستاذ مفتوحًا، محاولًا استجلاء الموقف.. فهم من كلمات أبي الحسن المتهدجة المتداخلة.. أنّ ابنه مريض.. عبثًا حاول الاستاذ مسعود تهدئه روعه.. أبو الحسن لايكف عن النحيب والثرثرة، ومن جرّاء الحديث المتداخل المتقطّع عرف الاستاذ أن الفتى تنتابه نوبات صداع حادٍّ جدًا تؤدي إحيانًا لفقدان الرؤية والتوازن.. كان الاستاذ يعرف ذلك من قبل.. بسرعة البرق وصل الاستاذ إلى بيت أبي الحسن، أخذ الفتى بين يديه، كان ذاويًا متلاشيًا... أدرك خطورة الموقف.. انسلَّ كالشّعاع دون أن ينبس بكلمة.. غاب بعض الوقت وعاد يرافقه طبيبُ القرية... لاذ الجميع بصمت جليدي.. أجرى الطبيب إجراءات تقليدية.. جمد في مكانه... انتحى بالاستاذ مسعود جانبًا.. أفضى إليه بمخاوفه من أن يكون ثمة ورمٌ خبيث بالدماغ... قرّرا معًا أن لابدَّ من السفر إلى العاصمة في الغد.. صعق أبو الحسن.. غاص في متاهةٍ من الذهول والتشتت.. كان يعتقد أن طبيب القرية قادر على إسكات الألم... كان أشدَّ مايمزّقه فكرة الذهاب إلى العاصمة.. فهو عمرّه لم يغادر قريته.. حتى أنه لايعرف الطريق الموصلة إلى العاصمة... سأل بلهفة حارة عن السبب... أبدى الاستاذ مسعود تعليلًا قاصرًا.. انهار الأب.. انتحبت الأم تراخى الفتى بين أمواج الألم وذراعي الاستاذ.. بعد قليل، تخلّص الاستاذ من جسد الفتى الذابل، وتركه صريعًا بين أنياب الألم، وانسلَّ متلمّسًا طريقه إلى بيته، بعد أن وعد أبا الحسن بمرافقته غدًا إلى العاصمة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت