البرق راحت كفُّه اليمنى تتلمّسُ موضع الصرَّة القماشية تحت إبطه الأيسر.. استراحَ عندما وجدها واطمأن كثيرًا.. عرف أنَّ ماجرى، كان أضغاثَ أحلام، وراح يلتهم طعامه بسرعة... بعد الانتهاء، أشعل سيجارة وراح يلهو بدخانها، وهو يُحكمُ النظرَ إلى النافذة القريبة، إلا أنه لم يرَ شيئًا.. الظلام يسودُ الكون.. ضاق ذرعًا.. تساءَل في سرّه: متى تصلُ الطائرةُ وينتهي المشوار.. أقسمَ أنه لحظة يصل الأرضَ سيقبّلُ ترابَ وطنه.. تعاظم لديه السؤال.. متى ستصل الطائرة؟؟.. خرج السؤال من سرّه.. بلغ المضيفة.. أعلنت أنَّ الوصول قريبٌ جدًا، وأن الطائرة بدأت بالهبوط...
محمود.. أّيها المغتربُ العائد... هذي عاصمة الوطن الجميل تلوحُ لعينيك عبر الظلام.. بساطٌ متناثرٌ من الأضواء.. تجّمعاتٌ سكنية ضخمة تملأ الأرض وتشقُّ الفضاء.. إنك يامحمود تقتربُ أكثر... لعلَّك الآن تشعرُ أنك ولدتَ من جديد.. وأنك بحاجة لأن تصرخ صرخة الوليد كي تستقبل الحياة..
أخذت الطائرة تدبُّ على مدرجِ المطار، وأنت تفكُّ الحزام، وتتلمّسُ موضعَ الصرَّة من جسدك المرهق.. تقف على ساقين متعبتين، تسير نحو باب الطائرة. لكن قبل أن تغادر الطائرة نحو ردهات المطار. وتستنشق أوّل نسمةٍ من هواء الوطن العليل، عليك يامحمود أن توطّن نفسك لإرباكات وقسوة إجراءَات الجوازات والجمارك والموظفين والمراقبين. وأن تكحّل عينيك بالزحام الخانق. وتعطِّر أذنيك بالضجيج المفتعل...
هبط محمود من الطائرة..سار متمهلًا. نظر إلى السماء. امتصَّ نفسًا طويلًا عميقًا..انحنى على الأرض. قبّلَ أرضَ المطار. بينما كانت كفّه اليمنى ماتزال تتجوّل في صدره لتطمئنَ أن شيئًا ما، ينام بهدوءٍ متوسّدًا إبطه الأيسر
كان غائبًا