فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 70

كان التعب قد هدَّ محمود، لقد أمضى أيامه الأخيرة قبل السّفر بلانوم.. بدأت دائرتا عينيه تضيقان.. جسده يتكوّر.. كفّه اليمنى تضغط برفق ولين تحت إبطه الأيسر.. أسند رأسه إلى ظهر المعقد، لوى عنقه فوق صدره ونام مطمئنًا.. لم يطل نومه.. قادته الأحلام عبر دهاليزّ معقدة متشابكة.. ضاق ذرعًا بهذه الدهاليز الموحشة.. عندما تخلص من منعطفاتها، عاد من جديد إلى أرض المطار، بدت له ساحة كبيرة موحشة.. وجد الطائرة ذاتها تكاد تقلع، إنها تنتظره... تلفّتَ حوله، لم يجد أحدًا، خامرهُ خوف محيّر.. صعَد الدرج بسرعة فائقة واحتل المكان المخصّص له..أسعدتهُ ابتساماتُ المضيفة الجميلة.. اقتربت منه.. همست في أذنه.. لمَ تأخرت.. لم نشأ الإقلاع حتى تأتي.. ضحك ملءَ أعماقه.. استرخى في مقعدة، وأسند ظهره إلى الوراء... درجت الطائرة على ساحة المطار.. قبل أن تقلع، تراجعت.. توقّفت.. جمدت نهائيًا عن الحركة.. تلفّت حوله مستفسرًا، لم يفهم شيئًا.. فجأة رأى قائد الطائرة وثلاثة من المسافرين مثله، ذوي أجساد ضخمة، ووجوه متجهّمة ملتحية، يقتربون من المضيفة الأنيقة يسألونها عن مسافر اسمه محمود.. أدرك محمود ذلك.. رسا قلبه في قاع جوفه.. سأل نفسه بهلع: ماذا يريدون منّي؟؟ أشارت إليه عيونُ المضيفة وأناملها.. غطس في أمواج الخوف بلاحدود.. تخثر الكلام في حلقه.. أخذ يفحُّ كالأفعى المشلولة، وجمدت عيناه عن الحركة.. لم تستطع ابتسامات المضيفة ان تنقذه ممّا هو فيه.. تقدم منه الرجال وقائد الطائرة... أصدر فحيحًا شديدًا... امتدّت أيديهم إليه أكثر.. أكثر.. انقلب خوفُه إلى هياجٍ عصبيٍّ شديد.. قفز محاولًا الهرب.. أمسكوه..مدّ أحدهم يده إلى صدره واستلَّ الصرّة القماشيّة.. حاول محمود انتزاعها من يده.. ضربه الآخر على قمّةِ رأسه.. أيقن محمود أن المقاومة غير مجدية.. استسلم لمصير أسود.. انفجر الرجال بضحكٍ هستيريّ.. خرجوا من باب الطائرة واحدًا تلو الآخر... اندفع محمود من مكانه واقتحم باب الطائرة.. قفز بعنف نحو أرض المطار.. راح يلوب حول نفسهُ... الصرَّةُ أو الموت.. لكنه عبثًا حاول.. لقد اختفى المجرمون.. أصابه انهيار شديد.. تدحرج على أرض المطار.. استسلم لبكاءٍ مرٍّ أليم.. تحوّل بكاؤه إلى نشيج مرتفع صاخب.. استيقظ محمود.. لم يطل نومُه كثيرًا.. كانت المضيفة تربت على كتفه، تحملُ له ابتسامةً عطرة وعشاءً ساخنًا... أصَلحَ من جلسته.. نسي أن يشكر المضيفة، وبسرعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت