كانت حياتُك قاسيةً يامحمود، صعبة، مخيفة... وازدادت صعوبةً وهمًّا عندما تغيرّتِ الدنيا في رحاب الوطن، وأُصيبت الأسعارُ بالجنون المتصاعد.. حاولتَ أن تتعلّم حرفة، لكن الوقت قد فات.. لم تستطع -وقد شارفتَ على الخمسين- أن تتعلّم شيئًا جديدًا.. كنتَ حريصًا ألاّ تحرمَ أبناءك من التعليم.. بعتَ قطعةَ الأرض الوحيدةَ التي تملك، المجاورةَ لمنزلك القديم الذي ورثته عن أهلك. وجاءَ يومٌ استبدَّ بك العجزُ والضّياع.. أُصبتَ بالشّلل الفكري والنفسي .. أنفقت ثمن الأرض ولم تستطع أن تصل بأكبر أبنائك إلى ردهات الجامعة.. كان ذلك حلمًا وردّيًا بالنسبة له... أخذ الحزنُ يامحمود يحتلُّ مساحة قلبكَ صباحَ مساء. .. ماذا كنت ستفعلُ أمام ذلك الثالوث المتجهّم.. الوظيفةُ.. الفقرُ.. العائلة.. كنتَ تبدو في أسوأ حال، عندما تعودُ من الوظيفة، فتلتقي ابنكَ الاكبر وهو ذاهبٌ ليقضي نوبتهُ الليليّة في معمل البسكويت.. كان يطمحُ أن يَتمَّ دراسته الجامعيّة.. لكن الفقر كان أقوى... كنت تداري عنه عينين مليئتين بالدموع....وقلبًا مسكونًا بالفزع من يومك وغدك... لم تكن راغبًا أبدًا، في أن تسلكَ دروبًا معوجّة، او تفعل شيئًا تخجل منه... كنت دائمًا مستعدًا لأي عمل شريف.. لكن الدنيا ضيّقة، والأبواب موصدة، والوجوه من حولكَ مكفهرّة، والعيونَ زجاجية.. يومها.. ضاقت مساحةُ عينيك، مسحتَ الدموع عنهما، عقدتَ مابين حاجبيك.. تعّمقت أخاديدُ وجهك، واتخذتَ قرارًا حاسمًا بأن تغادر الوطن... قلتَ لنفسك: بلادُ الله واسعة، والاغتراب في بلاد الغربة، أفضل من الغربة في الوطن.. وأقسمتَ يمينًا معظّما... ألاّ تعود إلى الوطن إلاّ غنيًّا، او لن تعود أبدًا... وقتئذ... بعتَ أكثر محتويات بيتك الصغير، وماتملكه زوجتك المسكينة، وانتزعتَ من ابنك الأكبر آخر راتب له تقاضاه من معمل البسكويت.. كل ذلك لتضمن نفقاتِ السفر، وأيام الإقامة الأولى، وحصة المقاول الذي سيظلّكَ بجناحيه...