في ليلة حزينةٍ جدًا، ودّعتَ فاطمة التي لم تفارقها على مدى خمس وعشرين سنة.. احتجزتْ دموعها في حلقها.. اربدَّ وجهها، ارتجفت شفتاها وهي تودِّعكَ، وتدعو الله أن يبعدَ عنكَ سطوة الحكّام والظلاّم.. قبّلت الكبار والصّغار بوهن.. كان داخلُك يبكي بمرارة.. حملتَ حقيبتكَ الكبيرة العتيقة، ومضيتَ إلى محطة "البولمان".كان ذهنُك مشتّتًا، وأعصابك محطمة... عندما ابتلعك جوفُ السيارة الكبيرة، انتحيتَ جانبًا وأسلمتَ نفسك للبكاء الحزين... هل كنت يامحمود تبكي فاطمة والأولاد؟؟.. هل كنت تبكي وظيفتك التي قَسَتْ عليك بفظاظة، ووضعتكَ على هامش الحياة؟؟.. هل كنت تبكي قطعة الأرض التي بعتها وأمتعة البيت؟؟.. أم كنت تبكي نفسكَ وغربتكَ ومستقبلكَ المجهول؟؟..."
لاتحزن يامحمود.. لاتبتئس... لقد انقضى كل ذلك، وأصبح في عداد الذكريات، والذكريات كثيرةٌ ولها طعمٌ مرٌّ لاسع.. ماأكثر الأشياء التي ساءت بعد رحيلك عن الوطن .. ما أكثر ما اضطهدتك الغربة وأذلتك .. كثيرةٌ هي الليالي التي أمضيتها مسّهدًا تستجرُّ ذكرياتكَ المريرة، وتسلي روحك… المعذّبة بشريط تسجيلٍ أرسلته لك فاطمة والأولاد... أيّامٌ عصيّة على الحصر والتعداد أمضيتها مُطاردًا من رجال الأمن لأنك بلا إقامة..
لاتحزن يامحمود.. لقد انقضى كل ذلك.. أنت الآن في طريقك إلى الوطن.. تحتلُّ مقعدًا في طائرة عائدةٍ إلى عاصمة بلادك.. تنظرُ بلهفةٍ إلى النافذة القريبة من مقعدك... أمامكّ المضيفةُ الجميلة الرشيقة.. تختلسُ منها نظراتٍ متشنجة.. أدهشتكَ أناقُتها، فرُحتَ تفترسُ تلك الاستدارات المذهلة في جسدها الممشوق.. كنت تراقبُ حركة أناملها وكفّيها بإعجاب شديد... ظلَّ فُمكَ مفتوحًا وأنت تغطس في بحر من الذهول.. تحرّكت الطائرة.. استيقظتَ من ذهولك.. تذكرتَ أنك عائدٌ.. أنك الآن في طريقك إلى فاطمة والوطن.. همستَ في داخلك.. آهٍ يافاطمة.. كم يمزّقني الشوقُ إليكِ... لكنّ المضيفة الجميلة أمرٌ آخر، أنستْكَ كثيرًا من مأساة الغربة... تداولتكَ التناقضات.. ابتلعك الإحساس بالاحباط.. أرهقتك المفارقة بين فاطمة والمضيفة الأنيقة... صحوت أخيرًا.. حّدثتكَ نفسك.. لن أغادر الوطنَ مرّة أخرى.. لن أفترقَ عنكِ يافاطمة...