هاهي الأيام المرّة، والسنواتُ الآسنة قد انقضت وولّت إلى غير رجعة، وجاءّت اللحظة السعيدة التي ترقّبتها طويلًا.أجل يامحمود... سبعٌ سنواتٍ قد انقضت بكل مافيها من مآسٍ وغربةٍ وألم وضياع... سبع سنوات قضيتها غريبًا عن الوطن والأهل.. شابَ فيها شعرُ رأسك، وشاخَ قلبُك، وتلاشت روحُك وأعصابك... إفرحِ الآن يامحمود، فقد آن لك أن تعود إلى الوطن من جديد فتستريح وتطمئن.. كم كانت هذه السنواتُ السبعُ طويلةً يامحمود.. كأنّ كل يوم منها يوازي فصلّ شتاءٍ كامل، مثقل بالبرد والظلمة والأوجاع...
افرح الآن يامحمود... فتلك السنوات السبعُ الثّقال تبدو لكَ، وأنت على أبواب العودة إلى الوطن أشبهَ بحلم طويل طويل ، وكابوس متخم بالفزع والألم والتشنج .. حلم طويل مخيف بدأ لحظةَ كرهَتْ نفسُكَ الوظيفة التي قضيتَ فيها ردحًا طويلًا ، من حياتك، وأصبحتَ تخشى على نفسك وعيالك الجوعَ والعري والفضيحة... كان لديكَ عذرُكَ آنذاك.. ففي تلك الأوقات التي تبدو الآن لناظريك بعيدة، كنت قد شارفتَ على الخمسين، وأصبحتَ مسكونًا بهمِّ زوجة وخمسة أبناء... لم تكن وظيفتُكَ التي بذلتَ في يومٍ مضى، ماءَ وجهك للحصول عليها، كافيةً لسدِّ حاجات العائلة ولو لأيامٍ قليلةٍ من الشهر..