عاد العالم (س) يعيش حياة تلك الأيام قبل ملايين السّنين.. سار بين أدغال كثيفه، كان يتعثّر جرّاء الأغصان المتشابكة والتربة الرخوة اللزجة التي تنهار تحت قدميه.. غزت أذنيه أصوات غريبة.. شاهد من بعيد حيوانات عملاقة ضخمة.. ديناصورات متنوّعة، سلاحف مخيفة، أنهار تخّر بشدّة.. منظر مدهش مثير للسماء والنجوم والكواكب.. الرطوبة تغلّف الكون، والسحب تتكاثف بشدة حول رأسه وجسده، وطيور ضخمة تجدّف بأجنحتها عبر السحب المتراكمة.. على الرغم من أن العالم (س) يعرف أن جهازه قد اخترق الراهن إلى الماضي السّحيق، فقد أصابته رعدة قاسية جرّاء ما رأى.. ارتدَّ عن مخاوفه بعد فترة متذكرًا مهمته العظيمة.. عمد إلى التربة الرخوة جدًا، غرس فيها إحدى بيوض الجرادة المشوهة، وعلى بعد أمتار غرس ثانية وثالثة.. عندما دفن البيضة الأخيرة، وأهال عليها التراب اللزج، فرك كفيّه بشدّة، وتمتم بارتياح كبير.. لقد انتهت المهمّة، وغمرت وجهه ابتسامةً مفاجئة.. قال في داخله: سأبني التاريخ من جديد، وبطريقة أكثر إتقانًا.
ألقى نظرة شاملة عميقة على هذا العالم المغرق في القدم.. ملايين السنين تسبق الراهن.. هزّ رأسه.. ثبّت ناظريه على (( جهاز اختراق الزمن ) )، وهو يفكر في الجراد، مفترضًا أنه خلال ملايين السنين القادمة إلى الراهن وما بعده، سيكبر حجمه.. قد يغدو بحجم الإنسان، وسصبح له دماغ يفكر به، ويقود تصرّفاته...ترى.. ماذا سيحدث آنذاك؟؟ّّ هل سيتعايش الإنسان معه؟.. هل يرفضه لأنه عنصر غريب؟؟.. هل سيندفع الإنسان ليتحد مع أخيه الإنسان ضد عنصر غريب؟؟..مطّ شفتيه.. ازورّت عيناه.. شحب لون وجهه، وقفزت إلى رأسه أفكار جنونيّة.. ترى.. أيمكن للجراد أن يحكم العالم فيمنع حصول حرب عالمية رابعة، كتلك التي دمرت الكون والإنسان..