ترك العالم (س) فأسه، وانكفأ إلى البيت ترافقه تصوراتُه وتساؤلاته.. مدّ يديه وأشعل مصباحًا متخلّفًا ليبدّد العتمة.. توقّف.. تسمّر في مكانه.. تمتم كلماتٍ حانقة مغتاظة..تبًا له.. لقد نسيَ أمرًا على غاية من الأهميّة.. ضغط على أسنانه حتى كاد يطحنها.. كيف حصل ذلك؟.. لعلّه شكل من أشكال التشويه أيضًا.. هرش رأسه.. تذكر كل شيء.. الآلة الراقدة تحت الركام في قبو البيت الداخلي..ابتسم العالم (س) لأول مرّة منذ فترة طويلة.. هذا هو اختراعه العظيم الذي كان يعرض مخططاته على المسؤولين في مركز البحوث العلمية.. إنه (( جهاز اختراق الزمن ) )المجّهز بعقل الكتروني جبّار.. هذه الآلة التي يمكنها أن تنفذ عبر جدار الأحقاب الزمنّية صعودًا وهبوطًا، إلى الماضي والمستقبل مهما امتدّا.. الإختراع الكبير الذي أفنى فيه عصارة عمره وعقله وعلمه..
تحرّر العالم (س) من جموده وغيظه.. كان الكون قد غطس في العتمة كليًّا.. تحرّك.. حمل المصباح المتخلّف وسار باتجاه القبو.. أخذ يتحسس طريقه بيديه عبر الضوء الخافت، ويزيح من طريقه عثرات كثيرة..تراب وحجارة وحشرات لاحصر لها.. توصّل أخيرًا.. كان الجهاز يرقد ضمن صندوق خشبي.. نفض عنه التراب.. أخرجه، نظر إليه بعيون وحشّية وفرحة غامرة..مسح عليه بأنامله المرتعشة كطفلٍٍ معذّب.. حمله وعاد به يتعثر في الركام من جديد.. عندما استقر في غرفته المتآكلة تمتم.. نعم..نعم.. سأتيح للجراد الفرصة لكي يحكم العالم، ربما يكون خيرًا من الجنس البشري الذي مزّق رداءَه.. لعله يعمل على تحقيق السلام الذي فشل الإنسان في تحقيقه...كان الجهاز سليمًا جدًا.. بطاريته مشحونة بأكملها.. العقل الألكتروني ينتظر إشارة لبدء العمل.. ساوره لذلك فرح جنوني...
قدح زناد البطارية.. ضغط أزرارًا كثيرة.. أخذ المحرك يهتزّ ويصدر اصواتًا رتيبة هادئة..أحكم إغلاق باب الغرفة، ضغط زرًّا آخر، تغيّر صوت المحرك وأخذ في الإرتفاع التدريجي.. أخذت اللحظات الراهنة تختفي في لوحة الحياة، الماثلة، غاصت في رحم الماضي.. ابتعدت، ابتعدت أكثر.. توقّفت قبل ملايين السنين الغابرة..