فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 70

قرّر العالم (س) أن يستثمر الأرض، أن يستنبتها.. كان الجوع ضاريًا.. أخذ يعمل في حديقة منزله الخرب.. أعاد إليها شكلها القديم.. أنهكته جرفًا وحفرًا وزرعًا.. ذات مساء وقبل غروب الشمس، بدت له حشرة..استند إلى فأسه الطويل، أخذ يراقبها وهو يلهث بعنف، ثم انحنى والتقطها بين اصبعيه، نظر إليها بعمق.. تعجّب.. قال في سرّه: أهو تشويه آخر.. إنها تكاد تشبه الجرادة ولكنها ليست بجرادة، فصد رُها مختلف، وجناحاها قصيران جدًا، وقوائمها غيرشائكة..التزم جانب الصّمت وهو يدرس الحشرة الغريبة.. إن هذه الجرادة مختلفة بعض الشيء عن الجراد المألوف، إنها أصغر حجمًا، وتنفّسها ضعيف، وضربات قائميتها الخلفيّتين رخوة جدًا.. لقد لعب التشوّه النووي دوره فشوه حتى الحشرات..

استمر يدرس الحشرة الغريبة.. واتتهُ فكرة عجيبة.. ماذا لو أن الجراد أكبُر حجمًا!! وأتيح له وهو يعيش بهذا الشكل الجماعي المطلق، وهذا الدأب والسعي الحميم الذي نعرفه عنه.. ألايستطيع أن يحكم العالم؟؟!!.. ألا يكون بديلًا أفضل من الإنسان؟؟ الإنسان الذي مزّق أرديته، وشوّه نفسه، وقضى على حضارته، ألا يكون الجراد خيرًا منه...

مرّت بخاطر العالم (س) كّل هذه التساؤلات وهو يقلّب بين يديه الجراد ةَ المشوهة.. بدا على وجهه نوع من التصميم الجاد.. توحّد مع ذاته لحظاتٍ غير طويلة.. ثبّت نظراته على الحشرة المشوهة، وبأصابعَ متأنيّة واثقة، شقَ جسد الجرادة، استخرج منها كتلة من البيوض وألقى بجسدها بعيدًا... كانت الشمس آنذاك قد أفلت، وبدات خيوط العتمة تغزو أطلال بيته، وبقايا المدينة المخّربة، وهو يسائل نفسه: هل يمكن للجراد أن يحكم العالم؟؟..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت