في مركز البحوث العلمية، كان يعرض مخططاته، عندما تزلزلت الأرض وحدث الهجوم الصَاعق غير المنتظر.. هرع مع غيره إلى الملجأ الحصين جدًا، المعدّ لدرء مثل هذه المخاطر المفاجئة.. بعد ست ساعات، وانتهاء آثار الإشعاع الذي دمّر كل شيء.. كان العِالم (س) يحبو بين الأنقاض ورائحةِ الموت وا لدّخان.. وراح وهو يحمل حالة عصبيّة مفزعة، يفتّش عن بيته في مدينة لم يبق منها سوى البقايا اهتدى أخيرًا إلى بقايا بيته حيث لم يجد مكانًا آخر يأوي إليه.. استطاع الحصول على بعض بقايا الأطعمة المحفوظة...
عندما يهبط الليل، كان يشعل النار في بقايا الأخشاب الكثيرة المنتشرة حوله، ليدرأ عنه البرد والصقيع... الحالة العصبيّة التي سكنت قلبه ودماغه، قد بدأت تتراجع عبر الأيام... تسليته الوحيدة، كانت تلك الهرّة التي وجدها بين أنقاض البيت، تأكل من بقايا طعامه.. إلا أن التشويه الناتج عن الحرب قد بدا عليها، لقد أصبحت جرداء من الشعر، مقطوعة الذيل.. تسير بلا توازن.. لكنه اضطر أخيرًا لأن يقتلها، لأن شهيّتها للطعام كانت بلا حدود، إذ كانت تسطو على طعامه القليل عنوة، فيظلّ جائعًا...
العالم (س) .. كان قبل الحرب يعمل استاذًا للعلوم الحيويّة في أكبر جامعات المدينة، يعيش الآن كالحشرات، جائعًا أبدًا، يبحث في الأرض عن أي نبات أو شيءٍ يمكن أن يأكله.. يرتدي ملابس بائسة لاتكاد تقي جسده غائلةَ البرد.. يناجي كل يوم أطلال مدينته الخربة.. إنها بقايا مدينةٍ كانت ذات يوم تتألق وتزهو بأكبر جامعات العالم، وتساهم في غزو الفضاء، وتطوير مقولات العلم.. السماء في بقايا المدينة لم تعد صافية، زرقاء، أصبحت رمادية كئيبة شاحبة...
انتهى كل شيء.. هكذا قال لنفسه، والبرد والجوع يهدّانه.. لم يبق في العالم جمال ولاثقافة.. انفجر باكيًا ليس من أجل نفسه بل من أجل الإنسان..لم يحتمل هذا المصير.. بكى داخلُه.. قال: بعد أكثر من مليون سنة من التطور البشري، عاد الإنسان إلى الكهوف والعراء من جديد..