السيارة الآن لاتخطف الطريق... تتهادى في سيرها.. تبطئ أكثر.. نظر إلى مقدمة السيارة، لاحت له أبنية العاصمة البرجيّة قريبة جدًا.. كانت الأجساد المتراصة تتهيّأ للهبوط.. نظر إلى المقعد الأمامي، كانت الطفلة ماتزال واقفة على مقعدها، تطوّق بذراعها اليسرى عنق والدتها، وبيدها الأخرى تداعب شيئًا ما.. وعيناها تشيعان في جوف السيارة المتهادية ابتسامةً عذبة رقيقة....
اختراق الزمن
اندلعت نار الحرب العالمية الثالثة، دمُر الإنسان وجوده، كان ذلك مخالفًا لتوقَعات كبار رجال السياسة والاقتصاد.. كانت الحرب سريعة جدًا..استمرًت ستَّ ساعات فقط.. ومضة في حساب الزمن والأحقاب.. مدمّرة جدًا في حساب الحياة والفناء.. استُخدمت فيها أشد أنواع الأسلحة فتكًا، تلك التي اخترعها الإنسان عبر مسيرة القرن العشرين، من نوويّة، وحارقة، وكيماوّية، وحقد إنساني ..
حصل ذلك في الساعات الست من ضحى يوم الأول من شباط لعام2000 ميلادية.. ست ساعات فقط، وعمّ الدمار الشامل كل أنحاء المعمورة..
اختفى الإنسان من الوجود، وبقي بضع مئات تلوب كالسلاحف على سطح الأرض، تعاني من الحروق والكسور والتشوّه، وفقد الأعضاء..
مات الإنسان مختنقًا بيديه، بالأنسجة التي حاكها.. كان نسيجه أولّ الأمر فضفاضًا، موشّىً بأطيا فٍ من ألوان الثقافة والحب.. لكن ما إن حاك نسيجه بخيوط الحقد والعدوان، حتى ضاقت الأردية، فخنقته وغابت شمس الحضارة... بضع مئات فقط من الناس ظلّوا يتعثرون على سطح الأرض الخربة..
كان العاِلمُ ( س ) أحدَ أولئك القلائل الذين أتُيح لهم العيشُ بعد حرب ستِّ الساعات.. مات كل الناس من حوله.. والداه.. زوجته.. أولاده.. أصدقاؤه.. مدينته تخرّبت عن بكرة أبيها، ليس للآخرين حظ مثل حظه.. قبل حلول ساعة الصفر، كان موجودًا في تلك البناية الضخمة يعرض على المسؤلين فيها مخطّطَ اختراعٍ جديد انتهى من اختراعه قبل أيام قليلة.. عرض مخططاته على المسؤلين، لم يجد تفّهمًا كافيًا.. قال له أحدهم: نحن لانفهم إلاّ في القتال، نحسم الأمور عسكريًا.. ساُحيلك إلى مركز البحوث العلمية، فهناك ستجد آذانًا صاغية متفهّمة.