السيارة تنطلق نحو العاصمة.. هناك في العاصمة حيث توقف المشردون الثلاثة أمام دكان الأطعمة الرخيصة، كان محل آخر يبيع لعب الأطفال، يجاور المطعم الشعبي، لايفصله عنه شيء، احتل هو الآخر جانبًا آخر من الرصيف.. أفلتت الطفلة بإصرار من أبويها، وانقضّت على أرنب بلاستيكي، قفز في مكانه بواسطة زرٍّ ومحور يدوي.. احتوت اللعبةَ بين كفيها الصغيرتين.. نهرها الأب بشدّة، ضّمت اللعبة إلى صدرها، صرخت وأخذت تبكي.. صفعتها الأم على كتفها، فلم تتخلَّ عن الأرنب.. جرّها أبوها نحوه، عبثًا حاول تخليصها اللعبة.. فقد ملأصراخها وبكاؤها جنبات الرصيف، واتجهت إليهم أنظار الباعة والناس العابرين، وتوقف بعضهم يراقب المشهد..
السيارة تخطف الطريق نحو العاصمة.. ذاكرته هناك، في قلب العاصمة.. زوجته الجائعة، قالت له: الابأس، لنشترِ اللعبة.. واختنقت بدموعها... نقدَ المشرّد البائع ثمن اللعبة، وقد شعر بأن أزمة الجوع بدأت تتقلّص، لأنه تخلّص من أزمة الإرباك والإحراج.. نظر إلى الطفلة، كانت تقبَّل لعبتها، وترنو إلى والديها بحنان وفرح كبيرين، وقد تلاشت آثار الدموع من عينيها..
تابع المشردون سيرهم بسرعة، كان الأب يريد أن يبتعد عن دكان الأطعمة، وقد سّره أن ثمن اللعبة لم ينتشل كل مافي جيبه، فلقد بقيت بعض أجزاء الليرة تندحرج في قاع جيبه.. الطفلة تهزّ اللعبة.. تقبلها.. تدير المحور ليقفز الأرنب بين يديها.. الأبوان يأكلان الصمت والحيرة.. وبين الحين والآخر يختلسان نظرات سريعة إلى الطفلة، ليسرقا بعض ملامح السرور الطافية على وجهها الجميل..
فجأة توقف الأب أمام عربة تحتلّ زاوية من الرصيف، مثقله بقطعٍ من الحلوى الجافّة، وبسرعة لاتقبل التردّد.. ألقى أمام صاحب العربة كل مافي جيبه دفعة واحدة، ناوله البائع قطعة حلوى صغيرة معجونة بالسمسم والسكّر.. استدار وهو يبتسم، أعطاها للطفلة اللاهية بأرنبها.. أخذتها الطفلة ضاحكة وقذفتها إلى فمها الصغير دفعة واحدة...
تنفّس المشرد الصعداء.. التقت عيناه بعيني زوجته.. الشّحوب يأكل وجهيهما.. ومالبث الإثنان أن أنفجرا بضحكات مكتومة متطاولة....