السيارة تسير نحو العاصمة... أحاسيسه تسبق السيارة، تغوص في أوحال وهلام العاصمة.. انقضّت الذكريات عليه مثل أفعى مجروحة.. الجوع ينهش معدته، لابأس.. ولكن كيف يتصرّف مع جوف الطفلة الصغيرة.. زوجته وهو قد يصبران.. أما الصغيرة فلا.. لم يكن في حوزته، إلاّ مايكفي لشراء وجبة رخيصة من الأكلات الشعبية.. إنهم لايجرؤون على ولوج أحد مطاعم المدينة الكبيرة.. بين الفينة والفينة، كانت أصابع يده اليسرى تمتدّ إلى جيبه لتتحسّس الليرات القليلة القابعة في قعرها..
السيارة تسير نحو العاصمة.هو يبحث في العاصمة عن وجبة طعام شعبية تُسكت عواء الجوع في البطون الثلاث .. الأقدام تسير متعبة ، والوجوه تلوب شاحبة ، والعيون تبحث دون جدوى .. الجوع يطفئ في الرؤوس كل إحساس ..اقترب المهاجر و زوجته يسحبان طفلة لم تبلغ بعد الرابعة من عمرها .اقتربوا جميعًا من حافّة الرصيف ، التصقوا بالمحلاّت التجارية ، ينظرون بعيون مرتعدة .. أخذت الطفلة تتعلّق ببعض المعروضات ، تحاول العبث بها ، فيجرّانها مؤنبين .. كانت تشير بيدها إلى كثير من الأشياء .. تلثغ .. تتكلم .. تهمهم .. تصرخ .. تضرب الأرض بقدميها .. تتوقف .. دون أن يفيدها ذلك في شيء .. الليرات القليلة القابعة في قعر الجيب الأيسر كانت تتكلم .. تُملي على الأبوين كل تصرّف وموقف .. لكن الطفلة الصغيرة لاتعرف شيئًا ، ولاتعبأ بأي شيء.
السيارة تعدو نحو العاصمة .. الأبوان يبحثان عن دكان صغير يبيع بعض المأكولات الشعبيّة .. أتعبهم المشي .. هدّهم الجوع .. أذهلتهم لوائح الأسعار المعروضة ..لكن الطفلة ظلّت تهمهم وتلثغ وتعاند وتضرب الأرض بقدميها .. وصلوا أخيرًا إلى محل ناتئ على الرصيف يبيع ما يسدّ الرمق .توقفت الأم تنظر ، تفاضل بين الأشياء ، وتسمّر الأب يعدّ الليرات ويحسبها .. طابت نفسه عندما وجد أن ما معه يكفي لإشباع ثلاث بطون خاوية .. لكنه لم يكن ليحسب حساب خدعة غير منتظرة..