فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 70

اكتظّت السيارة بالأجساد المتراصّة.. امتلأت المقاعد والممرّات وغطاء المحرّك والزوايا الجانبية.. لم يبق شبر واحد في جوف السيارة إلا وقد تغطّى بالأقدام.. تجولت عينا السائق عبر المرآة الأمامية، تفحصتا الحاضرين، أعلنتا ابتسامة تنطوي على بعض الأسرار، تحركت كفّاه وقدماه بحركات خفيّة، تدحرجت العجلات على الاسفلت ببطء شديد.. تزايدت سرعتها شيئًا فشيئًا حتى استقرت على حالة ثابتة.. هدأت الأجساد عن التأرجح والانزياح يمينًا ويسارًا، وبدا لبعضهم أن الاستسلام للنوم يشكل ملجأً للفرار من الحالة الراهنة.. كان جسده النحيل قد انحشر بين أربعة من الراكبين، احتلَّ مركز الوسط بينهم، تلذّذ بالاحساس بالدفء عن الاحساس بالمضايقة والضغط ، استسلم لحرارة ناعمة تخترق جسده ومفاصله، بينما انصبّت نظراته في جوف السيارة المتخمة على مشهد مثير...

في المقعد الأمامي من السيارة، كانت تقعد امرأة بدينة، لم يكن يرى منها سوى كتفيها ورأسها، وإلى جانبها على المقعد تقف طفلة تخيّل أنها تجتاز ربيعها الثالث.. جميلة هذه الطفلة.. يا الله.. ثبّت نظراته على وجهها الناعم.. شعرت الطفلة بنظراته تخترق وجهها.. ابتسمت له.. ضحكت.. آه.. ماأجمل ابتسامات الأطفال.. ازداد اصرارًا على احتواء الوجه الطفولي بعينين متوسلتين.. أيقظ الوجه الطفولي في نفسه أحاسيس كثيرة، حرّك عوامل دفينة بعيدة.. لوّن ذكرياتٍ مرّة بألوان شيّقة.. يا الله.. ماأكثر الشّبه بينهما.. هذا الوجه الملائكي يشبه وجهها عندما كانت صغيرة مثلها.. حمله هذا التشابه والإحساس على بساط متأرجح من التذكر.. تداخلت الأحلام والذكريات، وراح الوجه الطفلي الجميل يدير شريط الذكريات المخبأة في صدر اتعبته الحياة...

السيارة تسير نحو العاصمة... ذاكرته، أحاسيسه، أعصابه، انطلقت كلها على أجنحة البرق الخاطف، وحلّت في ربوع العاصمة، اختزلت عقودًا من الزمن.. كان لايزال شابًا يسير هو وزوجته وطفلته في شوارع تائهة من العاصمة التي يقصدها الآن.. كان يسير معذّبًا ينهشه الألم والضّياع، كأنه هو المسؤول عن هذا التشرّد.. لقد استطاع أن يفلت من إرهاب الاحتلال والعدوان، فخرج كما خرج الألوف من أبناء وطنه.. قصد وطنًا آخر.. وصل العاصمة الأخرى.. هو وزوجته وطفلته يسيرون على غير هدى.. إنهم مشرّدون.. جائعون.. متعبون آهٍ.. ايّ عذاب هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت