-.. ستفهمين ذات يوم أيتها الحبيبة الغالية. فأنا لن أخشى عليكِ شيئًا.
وغابت الاثنتان في عناق طويل، بلّلتهُ دموعُ الأم، التي كادت تفضح أسرارًا دفينة، انطوت عليها شقّةُ محمود بغرفها الباردة الثلاث.
الرصيف التائه
لم تكن الشمس قد تسلقت صفحة السماء بعد.. كانت ماتزال تلقي بتحيّة خجولة إلى الناس القابعين خلف النوافذ والجدران.. أعداد قليلة جدًا قد غادرت بيوتها وراحت تدق الأرض سعيًا وراء الرزق والعمل المبكّر....
كان يسيرُ على الرصيف الأيمن متدثرًا معطفه القديم، يلفّ رأسه بمنديل سميك، إنه يخشى برد الصباح وزمهريره.. صحيح أن الشمس قد أخذت تداعب يومًا جديدًا، إلاّ أن الأرض كانت تنفث بردًا جليديًا اختزنته منذ فترة طويلة.. المسافة ليست بعيدة، عّما قريب سيصل إلى محطّة السيارات الذاهبة إلى العاصمة.. صوت نعليه يوقظ صمتَ وجليدّ الرصيف، يسيرُ بتؤدة مخافة التزحلق.. كان فيما مضى لا يخشى شيئًا، لكنه الآن وقد ودّع الكهولة، وأوغل في ردهات الشيخوخة، أصبح يخشى على نفسه من كل شيء.. اقترب كثيرًا من مقصده.. المحطة غاصّة بالسيارات الكثيرة، التي اصطفت وراء بعضها كرتل أحاديّ، وقد توجهت مقدماتها صوب محور الطريق الممتد نحو العاصمة.. المحركات تجأرُ بأصوات ناشزة تقلق كينونة الصباح المبكر، والدخان الأسود ينعقد في الجو سرطانًا مدمّرًا يزكم الأنوف ويخرّب الصدور.. اقترب من السيارة الأولى التي تتصدّر القافلة، التصق بها، امتدت كفه اليمنى وأمسكت قبضة الباب الأمامي المفتوح... يا الله... نهض بعزم مألوف.. دسّ جسده عبر جوف السيارة..تلفّت حواليه، نظر إلى كل الجهات.. تفحص كل المقاعد.. لم يجد مكانًا يروق له.. المقاعد المفضّلة قد امتلأت بالأجساد المتراصة.. تفحَّصَ الوجوه، لم يعرف أحدًا، الملامح ساهمة، والنظرات كابية، والبخار ينعقد أمام الأنوف والأفواه،.فيشكل حالة شتائية تعمّق الإحساس بالبرد والصمت والذهول.. اتجه نحو مؤخرة السيارة، والقى جسده النحيل فوق جانب من المقعد الخلفي.. استسلم كغيره لسبات مُرهف، وراح يلعق شفتيه الجافتين، وينفخ زفيرًا رطبًا في راحتيه المتبلدتين...