فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 70

هبّت واقفة حانت منها التفاتة إلى الساعة المعلقة على الجدار قرب المرآة.. لسعتها الدقائق أكثر. تناولت معطفها وخرجت مسرعة، وتضاريُس جسدها ترسم على الدرج أمواجًا عشوائية، إلى أن لفظها ورماها في أشداق الشارع المزدحم... سارت تدق الأرض بنعليها.. على بعد خطوات غير قليلة لمحت ديمة. توقفت كجذع شجرة هرمة، حدّقت فيها طويلًا.. الشعرُ المتماوج. القدُّ الأهيف. المشية المتثنيّة الهادئة. اللون القمحيُّ ينثرُ ألقَهُ عبر سويعات المساء البارد.. غرست فيها عينيها أكثر.. إلى جانب ديمة شابٌ أنيق.. هاهو خالدٌ آخر، هكذا حدثها قلبُها... الموكب يسير ببطء شديد.. العيون الأربع معلقة بالوجهين اللذين يفضحان أسرار الفرح والأمل والحب... تاهت أمينة من جديد في دوامة الذكريات.. تكسّرت في مشاعرها حدودُ الزمان والمكان.. تداخل شريط التذكر.. لفّها بغمامة من الضياع والعبثية.. فوجئت بصوت ناعم يصيح:

-.. ماما.. ماالذي جاء بك في مثل هذا الوقت؟!!.. هل تأخرت؟؟.

صَحَتْ أمينةُ من التداخل والضّياع.. قالت برفق:

-.. لا.. أتيتُ لأرافقكِ شطرًا من الطريق يابنتي.. من هذا الذي بجانبك؟.

ابتسمت ديمة.. صافحت نظراتُها اللامعةُ الواثقة وجهَ أمّها التفتت إليه، وقالت:

-.. إنه مروان.. مروان ياأمّي.

تخثَّرَ اللعاب في حلق أمينة.. تجمدّت نظراتها الكابية.. انتصب أمامها خيال خالد، أرادت ان تعاتبهُ.. سدَّ الطريقَ عليها خيال محمود، قرعت أذنيها جلبةُ المقهى والصورة الجادّة الصارمة العابسة.. ادارت وجهها لتبتسم لخالد، لتعاتبه... لم تجده.. لقد تلاشى الخيال، هرب من جديد.. وجدت أمامها مروانَ بقامته الشابّة، ووقفته الثابتة، ووجهه الباسم، ونظرته الجريئة الخجلى.. ويدٍ تحمل في كفّها المودةَ، وقد امتدت للمصافحة...

عندما أُغلق بابُ الشقّة على الأم وابنتها، استنطقت الأم المرآة بنظرة عجلى.. هزت راسَها.. غيرَّت موقع عقارب الزمن.. طوت منه سنوات طويلة.. التفتت إلى ديمة.. أمسكتها من كتفيها.. هزتها برفقٍ وقالت:

-أيتها الفتاة الواعدة، التي عرفت طريقها..

أجابت ديمة

-.. وهل كنتِ تخشين علىَّ أن أضلَّ الطريق؟.

-.. لا.. لن أخشى شيئًا. فبيني وبينك قرابة ربع قرن من الزمن، متخمٍ بالترهل والاهمال والوجوه الصارمة والمقاهي...

شُدِهت ديمة، ورفعت حاجبيها مستعلمةً مستغربة.. قالت هامسةً:

-.. لم أفهم شيئًا ياأميّ.. ماذا تقصدين؟!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت