لفّتها تلك الأحلامُ بالأسى، ووخزتها الذكرياتُ المرّة.. أعادتها إلى واقعها.. كانت لاتزال أمام المرآة تجترُّ مشاهد الامتلاء والترهل والاهمال، لقد أصبحت خلال سنوات صورةً عن محمود، صورة عنه في كل شيء. تناوبت على صفحات ذاكرتها أسماءٌ تدور كلوحة الكترونية.. خالد. أمينة. محمود. ديمة. المدرسة. المعهد. الطريق إلى البيت... فجأة وخزتها صورةٌ محدّدة. أبعدتها عمّا حولها. أنستها كل شيء.. نسيت المفارقة العجيبة التي أنبأتها بها المرآة المعلّقة على الجدار.. تلاشت من ذاكرتها صورة الجدِّ والصرامة التي تغطّي سحنة محمود وتصرفاته.. نسيت البيت والمقهى والعمر والزمن، توحّدت مع واحدة فقط من ركام هذه الذكريات المتداخلة، جرّدتها عن كل ماعداها. اعتصرتها بعنف، تراخت بجسدها المكتنز إلى أقرب مقعد خالٍ.. رذاذٌ من التعرق ألهب جسدها. عاد التوتر يأكلها بنهم. استسلمت لهواجس مرّة جلدت أعصابها... في مثل هذه الساعة وقبل ثمانية عشر عامًا وأكثر... كانت تعود من المدرسة الليلية.. عيناها معلقتان بوجه خالد، وكفّه تحتضن كفها، والحديث العذب يزرع الدرب ياسمينًا وبنفسجًا، وظهرَ وجه محمود الصارم المتجهّم، ليضعَ حدًا لكل شيء.. افترستها مخاوفُ حادّة"ديمة الآن عائدة إلى البيت... أيكون هناك خالدٌ آخر.. تصورت كفها في كف خالد.. شاهدته يهرب من جديد مسرعًا أمام الرجل الآلي ذي الملامح الصارمة...لا...لا... مستحيل. آه ياخالد.. ليتك لم تهرب.. ليتك لم تتركني وتذهب.. لكان تغيرّ كل شيء."