فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 70

سحبتها النظرات التائهة على بساط رخيٍّ من الأحلام والذكريات، تماهت مع أيام بعيدة خلت.. تلونت الأحلام بألوان قوس قزح. بألوان طيف لاينتهي.. استيقظت الذكريات حادةً من مرقدها.. حفرت في نفسها أخاديدَ عميقةً نازفة... كانت في مثل عمرها. عمرِ ديمة.. في الثامنة عشرةَ، تتباهي بمثل ذلك اللون الأسمر القمحي الجذاب، والخصر الأهيف ، والنظرات الآسرة ، في كل يوم تذهب إلى المدرسة .. مدرسة ليلية . تذهب بعد الظهر وتعود بعد الغروب بقليل... في الطريق إلى المدرسة الليلية تعرفت إليه.. لابل تعرَّفَ إليها.. كان خالدٌ طالبًا مثلها، يسكن قريبًا من بيت أهلها، ويدرس في المدرسة الليليّة ذاتها... وحَّدَ الصف بينهما. وكان طالبًا مجدًّا. استعانت به كثيرًا. أولاها مزيدًا من الاهتمام.. أخذ يرافقها في طريق العودة. وعند باب دارها يفترقان، بفترقان بصعوبة.. أصبحت تحب المدرسة والدراسة لأجل خالد.. يسيران في طريق العودة ببطء، يستمهلان الزمن، يتحدثان بلاحدود.. عندما ينقطع التيارُ الكهربائي، يحتضن كفّها الصغيرة بكفِه كيلا تتعثر.. أشهرٌ قليلة مرّت بسرعة البرق، وحان فحص الفصل الأول.. عائدان من المدرسة الليليّة..الحديث المهموس يعطّر جوَّ الشتاء القارس.. وكل منهما يعرف طريق كفّهِ إلى كفِّ الآخر، ويتمنّى ألاّ ينتهي الطريق... عند باب البناء الرئيس، حيث تسكن أمينة، توقفا طويلًا.. في تلك الأثناء، خرج شخصٌ فارع القامة، ممتلئ الجسد، له نظراتٌ عقابيّة، صارم الملامح.. وقف الرجل ينظر إليهما بعنف، أخافتهما نظراتُه، افترقا على غير رغبة منهما.. أسرع كل منهما هاربًا.. خالد راح يغذُّ الخطا باتجاهٍ آخر، وأمينة ولجت باب البناء الرئيس والخوف ينهشُ قلبها، ويعِقدُ لسانها.. توجهت إلى شقّةِ أهلها.. تبعها الرجل الآليّ.. أغلقت الباب وراءَها، وراحت تجترُّ المفاجأة ومنظرَ الرجل الآلي... في اليوم التالي، لم تذهب أمينة إلى المدرسة الليلّية، عاد خالدٌ وحيدًا حائرًا. وقف أمام باب البناء الرئيس، زفرَ كآبتَهُ ومضى... أمينةُ لم تذهب إلى المدرسة، ذاقت ألوانًا من العذاب النفسي.. إلاّ أنها لم تتمرّد. لم ترفض. رضخت على غير قناعة منها... لقد خطبها الرجل الآلي. وخلال شهر واحد أصبحت أمينةُ زوجة محمود...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت