فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 70

المنزل يجلّله الصمت.. صمت جليديٌّ مطبق.. أمينه، وغرف ثلاثٌ محشوّة بأثاثٍ مختلفِ الأشكال.. نظرت أمينة من الشرفة، كان الشارع المزدحم قد غيّبَ ديمة.. أمينه تدق الأرض بقدميها وهي تنتقل من غرفة إلى غرفة، ترتب الموجودات، تعيد الأمور إلى نصابها.. تنتقل بعفويّة بين غرفة النوم والمطبخ والحمام والصالة الكبيرة.. في كل مرة تغرسُ عينيها في المرآة المعلقة على الجدار، تنظرُ إلى وجهها.. لسنوات خلت لم يكن لديها فرصةٌ للوقوف أمام المرآة طويلًا.. لم تكن تجد لزومًا لذلك.. كانت المرآة شيئًا مهملًا في حسابها... تنتقل من غرفة إلى أخرى، تنتحلُ المبرّرات للتريّث أمام المرآة... لقد فجّرت ديمة في داخلها شيئًا ما.. ديمة ابنة الثامنة عشرة، وقد نالت الشهادة الثانوية قبل أسابيع.. فجرّت في نفس أمينه أشياء وأشياء.. تكاثرت النظرات المسروقة من المرآة.. تعددت مرّات الوقوف السّريع.. تباطأتِ الحركة.. تلاشى النشاط المتوتّر عبر الغرف الثلاث، همدت حركة أمينة الناشطة.. تسمّرت قدماها أمام الجدار، ابتسمت لها المرآة، صافحت وجهَها بعد فراق طويل.. كان وجه ديمة القمحي اللامع ، وجسدها النحيل ، ونظراتها المشرقة ، نبضات الحياة حول أمينة... أمعنت النظر جيدًا... لم تكن ترى إلا نصفها العلوي.. وجهٌ مكتنز.. خدود مكتظّة.. شفاه ممتلئة.. عنقٌ يكاد يتفجّرُ من الامتلاء.. صدرٌ يعلو ويهبط بأثقاله... هالها المنظر، وهي ابنة السادسة والثلاثين... تذكرت ابنتها ديمة.. الرشاقة، الجاذبيّة، السحرُ والخفّة.. حقدت على المرآة.. حانت منها التفاتات بلهاء مشتّتة إلى كل الأماكن.. إلى سرير ديمة.. إلى غرفة نومها.. إلى السرير المزدوج العريض.. إلى مفروشات الغرفة.. تذكرت زوجَها محمودًا، الغارقَ في المقهى بقسوة، صاحبَ الجسد الممتلئ والقامِة الفارعة والملامح الجادة والقسمات الصارمة.. تذكرت ديمة وهي واقفة طويلًا أمام المرآة، تعبث أصابعُها بكل أجزاء جسمها.. تبعثرت نظراتُها التائهة مع عناصر شتىّ.. ديمة. محمود. المقهى. غرفة النوم. المرآة. الغرف الثلاث. وجهها المكتنز. جسدها المترهل...و ...و..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت