-عليك بادئ ذي بدء، أن تتخلّى عن كل مالازمك في حياتك هناك.. نحن نعرف كيف كنت تعيش.
صعقتني جملته الأخيرة، نظرتُ إليه بحيرْةٍ وغباء.. قلتُ له:
-.. لم أفهم ماتقصُد.
ضحك ملءَ فمه.. قال لي بنبرة هادئة:
-.. يبدو أنك لم تطمئنَّ بعد.. وأخرج من جيب سترته ورقة مطوية فردها أمامي وتابع:
-.. عليك أن تتخلّى عن كل هذا، وإلا فلن تستطيع التعايش معنا...
أخذتُ الورقة.. قرأتُ مافيها بصوت مرتفعٍ، أخذ يتلاشى شيئًا فشيئًا: الخشية -الكذب- القلق- الشعارات المزيّفة.. كما قرأتُ أشياء خطيرةً جدًا.. قادتني إلى انفصام وضياع شديدين.. سألتهُ بصوت خفيض:
-.. وكيف يعيش المرءُ بعيدًا عن هذه الأشياء؟؟.
هزَّ رأسه.. ابتسم برقّة.. أجاب بحزم:
-.. سترى.. أن هذه العناصر لاوجود لها عندنا.. القادمون مثلُك يحملونها إلينا فقط.. الحياة هنا شيءٌ آخر
عاجلته بسؤال كبير:
-.. وهنا.. من يضطهد مَنْ؟؟.
أجاب بوقار جادّ:
-.. لاأحد.. هنا ليس لدينا حكومات وشعوب.. ولادولٌ قوية وأخرى ضعيفة..
-.. ومن يحكمُ التجارة ودواوين الدولة، ويسيطرُ على الأسواق والاسعار؟؟.
ضحك ملء فمه.. وقال:
-.. نحن.. لانعرف شيئًا عن هذه المصطلحات.
غطستُ من جديد في بحرٍ من الدهشة والاستغراب.. أيعقُلُ ذلك؟!!.. وعاجلته بسؤال ممزّق:
-.. والنفط.. ألم يستعبدكم.. ألم يسحق الإنسان فيكم.. ألم يغيّر أسلوبَ حياتكم؟؟.
أجاب بسرعة مذهلة:
-.. النفط!! وماحاجتنا إليه؟. نحن لانعرفه، نعيش في عالم من النور والدفء، والحبِّ والحنان...
تابعتُ باندفاع شديد:
-.. وأزمةُ السكن، وأسعارُ المنازل؟؟..
ضحك بصوت مرتفع، اشعرني بالخجل من الموقف ومن نفسي ومنه.... بدا لي أن هذا المخلوقَ الغريبَ، يدفعني إلى عالم الوهم والخيال.. حاولتُ التملّصَ منه بسؤال خلتُه سيسدُّ عليه منافذَ الاستعلاء:
-.. وماشأنكم مع الحرية، والسجون والمعتقلات والأبرياء، ودول العدوان؟؟..
قاطعني بنبرة واثقة حازمة:
-.. يبدو أنك لن تفهمنا إلا بعد حين، ولن تستطيع التحرّر من علاقات حياتك السابقة.
استدار وتركني وانضمَّ إلى رفاقه.. ظللتُ وحيدًا أتلفّتُ حولي.... كان الهلام المحيط بي يزداد نورًا وعبيرًا... وشعرتُ بالندم.. آلمتني المفارقاتُ العجيبة.. قررّت أن أتخلّى عن ذاتي السابقة، سبحتُ بخفّة ورشاقة، ووقفتُ قريبًا من لجنة الاستقبال.. رحّبوا بي ثانية.. حاولتُ أن أعتذر.. قاطعني أحدهم:
-.. نحن هنا، لانحب الاعتذار، تعالْ.