وقفتُ بينهم.. سألني ذاك الذي يقف بجانبي:
-.. ألا تريدُ أن تتعرّف إلى عالمنا؟.
أجبته:
-.. بكل سرور... ولكنني لاأزال خائفًا.
ضغط على يدي، أشار بإصبعه إلى البعيد البعيد.. قال:
-.. الخوف هناك.. يفصلنا عنه هذه الكوى الكثيرة المنتشرة على التخوم.. أمّا نحن فلانعرف الخوف..
سرنا متجاورين.. التفتُّ إلى الوراء حيث كنّا نقف.. لم أجد أحدًا.. تساءَلتُ في داخلي: أين ذهبَ الآخرون؟؟ كنتُ أسير إلى جانبه والذهول يملأ كلَّ جوانبِ عقلي وجسدي.. التفتَ إليّ وسألني:
-.. أين تريدُ أن نذهبَ الآن؟..
فكرتُ ملّيًا، وقد ساورني حنين طاغٍ إلى القراءة والكتابة.. سألته بشوق:
-.. اليس لديكم صحفٌ ومجلات؟؟..
أجاب:
-.. بلى.. ولكنك لن تستطيع قراءة مايُكتبُ فيها.. لأن كتّابنا يكتبون من داخلهم بلاخوف ولامداورة ولاتكلّف.
فتحتُ فمي عجبًا ، وسألته بسرعة:
-.. والرقابة؟؟..
-.. ماذا تعني؟!!.. نحن لانعرف شيئًا اسمه الرّقابة.
كدتُ لاأصدق ماأسمع.. أصحيحٌ ذلك؟!! أم أنه يُدخلني في الوهم أكثر.. أشحتُ بوجهي، واحتميتُ بالصمت.. لعل مرافقي أحسَّ بما يجول في خاطري فتوقف فجأة، كمن تذكّر شيئًا، وسألني:
-.. ماذا كنت تعمل عندما كنتَ هناك؟.. وأشار بيده عبر الكوى:
-.. كنتُ معلمًا.
-.. وأين كنتَ تعلّم؟.
-.. في مكان مامن الكرة الأرضيّة.
انفجر ضاحكًا، التفت إليَّ وقال:
-.. يبدو أنك ماتزال خائفًا!!
حنيتُ رأسي.. تابع يسألني:
-.. وماذا كنت تعلّم؟..
-.. أُعلّم كلَّ شيء. كلَّ مايُكتبُ في كتبنا.
انفرجت أساريره عن ابتسامة عريضة.. قال لي:
-.. هناك مدرسة قريبة.. هل ترغبُ في زيارتها؟..
اجبتُه بسرعة طفولية.
-.. نعم... نعم... أريد أن أزور مدرسة.. أيّةَ مدرسة.
بعد قليل، كنّا نلج بابَ مدرسة كبيرة جدًا.. سرنا بحذر شديد، على رؤوس أصابعنا، كنتُ أخشى أن أخدشَ الهدوء، واعكرّ صفو الأصوات الواثقة، وأسيءَ إلى النظافة التي عمّدت كل شيء.. تجولت كثيرًا... وقفتُ أمام نوافذ عديدة.. أصختُ السمعَ حتى كدتُ أن أهرشَ أذنيَّ ورأسي.... سمعتُ كلامًا وكلامًا كثيرًا، لم أفهم منه شيئًا بادئ الأمر.. لم أسمع أحدًا يتحدث عن البرابرة والفاندال، ولاعن غزة وأريحا...
ركبني دوارٌ شديد، لذتُ بمقعد قريب أستريح إليه.. أقبل صاحبي يواسيني ويشجعني... قال لي:
-.. أما قلتُ لك... يجب أن تتخلص من أُمورٍ كثيرةٍ حتى تستطيع الحياة بيننا.. سألته وقد بدأتُ أشعر بالهزيمة والاحباط: