فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 70

ليس للماء طعُم الملوحة.. لزوجةٌ دافئة تطلقُ بخارًا يعطّر الكون من حولي بعبير خاص.. الحياة هنا لها طعم آخر.. شعرتُ أنني قد تعبتُ من السباحة، وتذكرتُ أن الهيولى التي أضربُ فيها لاتحدّها شواطئ ولارمال... لُذْتُ بكوّة من الكوى المنتشرة على تخوم العالم الآخر.. تمسّكتُ بحوافيها.. مددتُ رأسي بحذر شديد.. لم أتبيّن شيئًا.. أكلتني الدهشة.. ماذا أرى؟!! فضاءٌ سحيق لانهاية له.. أتعبتني الرؤية.. سحبتُ عينيَّ الزائغتين وغطيتهما بجماع كفّي.. فجأة تناهى إلى سمعي أصواتٌ متداخلة تعلو حينًا وتنخفض أحيانًا.. أصختُ السمع جيدًا.. لم أفهم شيئًا.. اقتربتُ من الكوّة من جديد، نظرتُ من خلالها إلى الطرف الآخر، لاحت لي أشياءٌ تتحرك تشبه الأشباح.. غريبٌ ماأرى؟!! من هؤلاء؟؟ ماذا يعملون هنا؟!!.. انتصب في خاطري سؤال: ماذا لو انتقلتُ إلى الطرف الآخر؟؟.. حشرتُ جسدي عبر الكوّة.. لم تمنعْني من العبور.. وجدتُ نفسي أسبحُ في هلام من نوع آخر.. غمرني دفءٌ ونور أيقظا إحساسي وروحي، أبعداني عن التبلّد والخوف.. جميلة هي الحياة هنا!!.. ولكن.. ألا يوجد أحد؟؟ أين الناس؟؟ أين توارت الأشباح؟!! لابأس.. سرتُ وحيدًا.. سعادةٌ غامرة ملأت كياني.. شعرتُ برَغْبة في الغناء.. لم أستطع.. وجدت أنَّ الكلماتِ تموت في حلقي.. أقنعتُ نفسي بأن الغناء ليس تعبيرًا مطلقًا عن السعادة.. الصمتُ هو حالة الاكتمال.. فجأة نبتت أمامي مجموعة من الرجال.. أحاطوا بي من كل جانب.. سقطتُ في مستنقع خوفٍ مزلزل.. تفرستُ في وجوههم، رأيتُهم يبتسمون.. داخلني بعض الاطمئنان.. هتف بي أحدهم: أأنت القادم الجديد؟؟.. لم أنبس بكلمة.. كان الخوف مايزال يلازمني.. اقترب منّي أحدُهم..

قبّلني ببشاشة ورقّة.. قال لي:

-.. اطمئن.. فقد أتينا لاستقبالك.

نظرت إليه ببلاهة.. قلتُ بصوت مرتجف:

-... ولكن، من أنتم؟؟..

أجاب بصوت مشجعّ:

-... لاعليك.. كن واثقًا.. نحن هنا لجنةُ الاستقبال.

سألته والدهشة تغمرني:

-.. لَجنةُ الاستقبال!! أتعني أنكم تستقبلون الموتى؟!!

أجابني بكل هدوء:

-.. لا.. إنك لم تمت بعد.. نحن نستقبل الزوّار فحسب.

زايلني الخوف إلى حدٍّ بعيد.. سرّني أنني لم أمت بعد.. استمدّيتُ من ابتسامته وهدوء ملامحه كثيرًا من الطمأنينة.. قلتُ له:

-.. أنا جديد العهد هنا . فهل لي أن أتعرف إلى شؤون حياتكم ؟

نظر إليَّ بعطف شديد ، غرس في جسدي روحًا جديدة . قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت