وهذا ليس غريبًا على كلام الله، بل هو ما تقتضيه الحكمة، فلو تأملت أقوال وأفعال الأقوام مع أنبيائهم لرأيتها نتاجًا وحصادًا لما في قلوبهم من عقائد وإيمان، فمن كان قلبه سليم الفطرة تجده من أول المؤمنين برسوله، ومن شَابَ فطرته شيء من اللَّوث لم يسلمْ أو تأخَّر إسلامه دون أن يعادي رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن اجتالت الشياطين قلوبهم وتغيرت فطرتهم وفقدوا جميع أدوات التعرف على الحق، فلا يملكون فطرة سليمة، ولا ينتفعون مما يستمعون إليه إلا ما وافق أهواءهم، ولا يبصرون من آيات الله في أنفسهم وفي الآفاق على أنها دالة على الله تعالى أو أنها من فعله، فهؤلاء لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار حتى ينالوا من كل داعية إلى التوحيد، استهزاء وسخرية، وتسفيهًا وتشويه سمعة، ثم اعتداء باليد وتهديدًا بالأسر أو القتل، ثم الإعلان العام عن إهدار الدم! وجعل الجوائز لمن يدل عليه أو يأتي به حيًا أو ميتًا! فمن الأنسب أن يكون قول من قال من المفسرين إنَّ المراد من الآية هو حجب أبصار أصحاب القلوب المنتكسة عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأحوال ليسلمَ من أذاهم وليتمكنَ من تبليغ رسالة ربه، وهو ظاهر معنى الآية، يقول الحافظ ابن حجر:"إنَّ الكلام يحمل على عمومه وإطلاقه حتى تظهر إرادة التخصيص والتقييد" (1) .
ولا تعارض بين هذا القول وقول من قال من المفسرين إنَّ المراد من الحجب هو حجب القلب عن إدراك القرآن عقوبة لهم بسبب إعراضهم عنه، فبالنسبة لبعضهم كان يحجب بصره عن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراده بمكروه، وبعضهم كان يحجب قلبه عن إدراك القرآن عقوبة له على إعراضه بعد إقامة الحجة القلبية عليه، يدل عليه قوله تعالى: { وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } [الإسراء: 46] . وبعضهم كان ينفر عند قراءة القرآن ولا يستطيع سماعه لتماديه في الكفر والضلال وهو المذكور بقوله { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [الإسراء: 46] .
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري: (5/675) .