وعن ابن عباس - رضي الله عنه - لما نزلت: { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } [المسد:1] جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله! إنها امرأة بذيئة، وأخاف أن تؤذيك، فلو قمت! قال:"إنها لن تراني" (1) . فجاءت فقالت: يا أبا بكر! إن صاحبك هجاني، قال: لا، وما يقول الشعر، قالت: أنت عندي مصدق، وانصرفت، فقلت: يا رسول الله! لم ترك؟! قال: لا، لم يزل ملك يسترني منها بجناحه" (2) ."
وروى ابن عباس - رضي الله عنه -"أنَّ أبا سفيان والنضر بن الحارث وأبا جهل وغيرهم, كانوا يجالسون النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستمعون إلى حديثه, فقال النَّضر يومًا: ما أدري ما يقول محمد، غير أنِّي أرى شَفَتيْهِ تتحركان بشيءٍ, فقال أبو سفيان: إنِّي أرى بعض ما يقوله حقًّا."
وقال أبو جهل: هو مجنون.
وقال أبو لهب: كاهن، وقال حويطب بن عبدِ العزَّى: هو شاعر، فنزلت هذه الآية، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد تلاوة القرآن، قرأ قبلها ثلاث آياتٍ، وهي قوله في سورة الكهف: { إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا } [الكهف: 57] . وفي النحل: { أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } [النحل:108] .وفي الجاثية: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً } [الجاثية: 23] . فكان الله تعالى يحجبه ببركات هذه الآيات، عن عيون المشركين، فكانوا يمرُّون به ولا يرونه.
(1) حسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح بن حبان: (9/236،237) ؛ وصححه بشواهده شعيب الأرنؤوط في الاحسان على تقريب صحيح ابن حبان: (14/440) ، رقم: (6511) .
(2) صحيح ابن حبان: (14/440) ، حسنه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح بن حبان: (9/236) ، كتاب التاريخ، باب المعجزات، رقم: (6477) .