وينبغي للأسير ألا يغفل عن سؤال الله وطلبه الهداية والدلالة والتوفيق والأخذ بكافة الأسباب الممكنة لتحقيق ذلك، وعليه تأمل ما يلقيه الله في رُوعه، من إلهام أو رؤية، فإن الوحي نوعان، وحي خاص بالأنبياء، ووحي عام للبشر وغير البشر، قال شيخ الإسلام رحمه الله:"وكما أخبر الله أن الملائكة توحي إلى البشر ما توحيه، وإن كان البشر لا يشعر بأنه من الملك كما لا يشعر بالشيطان الموسوس" (1) ، فإذا أيس الأسير من مساعدة المخلوقين له، فلا ييأس من روح الله، ولا يقنط من رحمة الله، فالله قدير! فخذ بالأسباب، ومنها الدعاء والتضرع والإلحاح في الدعاء بأن يفك الله أسرك، ويجعل لك مخرجًا، وتأمل ما يلقيه الله في روعك، ولاحظ وتفكر! فإن الله عز وجل علَّم أول قاتل كيف يدفن جثة أخيه، فقال سبحانه: { فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ } [المائدة:31] وقد يكرمك الله برؤيا صالحة تكون سببًا في تفريج كربك، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة" (2) وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لم يبق من النبوة إلا المبشرات"قالوا وما المبشرات؟ قال:"الرؤيا الصالحة" (3) . ويجب عليك الأخذ بكل الأسباب الممكنة من التخفي بالأسباب المادية، واستخدام الحيلة، والخروج في أفضل الأوقات وأهدئها، وتوكل على الله، وعلق قلبك به، ولا تتعلق بطرق الاحتجاب، فاللهُ مُقَدِر الأمور، ومفرِّج الكروب، ولن يحدث أكثر مما حدث، بل عش متفائلا وكلك أمل في النجاة بإذن الله تعالى، وإن حدث خلاف ذلك فثق بأن الخير كل الخير فيما اختاره الله لك فاثبت على الحق واعمل بطاعة الله وتقرب إليه بالفرائض والنوافل والدعوة إليه حتى يأتي أمر الله.
وقوع الاحتجاب في تاريخ الإسلام:
أولا: احتجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المشركين:
من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورا } [الإسراء:45]
(1) مجموع فتاوى ابن تيمية: (17/ 506،530) ، انظر ص: (169) من هذا الكتاب.
(2) صحيح البخاري رقم: (6983) ، كتاب التعبير، باب رؤيا الصالحين، طبعة دار السلام.
(3) المرجع السابق رقم: (6990) .