يقول الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله:"فالله العليم الحكيم قصَّ لنا القصص وأجرى خوارق العادات ليس ليدلل على وجوده وعظيم قدرته فقط، ولا لتصديق أنبيائه فقط، وإنما هو فوق ذلك لتقوية معنوية عباده تقوية روحية جبارة، يعظم فيها توكلهم واعتمادهم عليه وثقتهم بنصره، مستيقنين أنَّه سبحانه يجعل الحزن سهلا والمستحيل واقعا، وأنه لن يعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض، وأنه يخلق أعظم شيء من لا شيء، وأنه يخلق بلا سبب، وأن الأكوان العلوية والسفلية لا يتعسر عليه منها شيء أو يتحكم في قدرته منها شيء، بل هو الذي يجريها على خلاف سيرها وسننهما العادية، فيفلق البحر شطرين، يشق بينهما طريقًا في البحر يبسا، كأن الماء لم يمر عليه أبدًا، كما فعل ذلك لموسى وقومه، ويشق القمر نصفين أيامًا لقريش وتصديقًا لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، ويوقف سير الشمس ليوشع بن نون خليفة موسى (1) ، ويجمد نهر دجلة لجيش سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - فيعبرونه لم تبتل أقدامهم، ويذلل البحر لخيل أبي العلاء الحضرمي - رضي الله عنه - (2) ، ويسيل الماء لهم في رمال الدهناء لما عطشوا (3) ، ويهزم الكفار يوم بدر بقبضة تراب يلقيها عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائلا:"شاهت الوجوه (4) "ويقول سبحانه: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى } [الأنفال: 17] [فأثبت لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ابتداء الرمي، ونفي عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه - صلى الله عليه وسلم - الحذف، ونفي عنه الإيصال (5) ] وهو الذي يمد عباده المؤمنين بالملائكة وبالريح والرعب وغير ذلك مما يدحض أعداءهم، فالإيمان بالمعجزات ينفع المؤمنين، والكفر بها يدحض الكافرين، إذ يأتيهم العذاب من حيث لم يحتسبوا، ولقوة إيمان عباده سبحانه"
(1) انظر صحيح البخاري: رقم: (3124) ، كتاب فرض الخمس، باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أحلت لكم الغنائم"حديث؛ فتح الباري: (6/221) ، صححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم: (202) ،: (2226) ، وصحيح الجامع:رقم (4153) و (5612) .
(2) اسمه العلاء بن الحضرمي، كما في كتاب ثقات ابن حبان: (3/289) وغيره من كتب التراجم.
(3) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية: (11/278) .
(4) صحيح مسلم رقم: (4619) ، كتاب الجهاد، باب غزوة حنين.
(5) مابين المعقوفتين من كلام ابن القيم، انظر زاد المعاد في هدي خير العباد: (3/182) .