كذلك عهد الرشيد إليه بتربية وتأديب ابنه عبدالله المأمون ، كما عهد من قبل بتربية ابنه محمد الأمين إلى الفضل فتمكن بذلك جعفر من الحصول على الوصاية على المأمون ، وأشار على الرشيد بتوليته العهد بعد أخيه الأمين ، وكان له دور في تثبيت حق المأمون وكتابة العهد وتعليقه في جوف الكعبة (1) .
... وهكذا يبدو أن ظرف ، وفصاحة ، وذكاء وتأدب جعفر ، وسهولة أخلاقه جعلته أكثر حظًا على الرشيد من بقية أخوته ، وأكثر إدلالًا ، وقد أبدى والده يحيى للرشيد مخاوفه من الصلة الشخصية التي كانت تجمع بينه وبين ابنه جعفر قائلًا له"يا أمير المؤمنين ، إني أكره مداخل جعفر ، ولست آمن من أن ترجع العاقبة علي في ذلك منك ، فلو أعفيته واقتصرت على ما يتولاه من جسيم أعمالك لكان أحب إلي ، وآمن عليه عندي" (2) .
... ولكن منادمة جعفر للرشيد في مجالسه ، وبقاءه في بغداد بالقرب منه لم تمنعه من أداء الأعمال الموكولة إليه على خير وجه . وقد عرف عن جعفر أنه كان فصيحًا بليغًا لبقًا عالمًا بالآداب ، والتاريخ والفقه ، لأن أباه
كان قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف الحنفي ليعلمه ويفقهه (3) . وقد ذكر عنه أنه فصل في يوم واحد ، عندما كان يجلس للمظالم مع الرشيد ، في ألف قضية خاصة ، ووقع عليها ، ولم يخرج في شيء منها عن أحكام الفقه ، ولم تكن أي واحدة منها ضد العدالة (4) .
... على أن أهم ما يميز سياسة يحيى وأبنائه هي سياستهم المالية ، فقد أتسمت هذه السياسة بدقة شديدة لا تنظر إلا في مصالح الخزينة المركزية التي امتلأت بثروات ضخمة لا تقدر بثمن . ولعل أكبر دليل على نجاح سياستهم المالية في ملأ خزينة الدولة بالأموال الطائلة هي قائمة الخراج التي أوردها الجهشياري في كتابه الوزراء (5) .