... وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك عوامل أسرية وعاطفية ربطت هارون بيحيى وأسرته ، فقد رضع هارون من زوج يحيى ، فأصبح أولاد يحيى أخوته في الرضاعة . كما تربى وتهذب على يدي يحيى ، الذي كان يسهر على خدمته وراحته ، معرضًا حياته للخطر ، فنزل بذلك يحي من نفس هارون منزلة عظيمة ، حتى أنه
كان يناديه بـ ( يا أبت ) . وقد عبر على حفظه للجميل الذي أسداه له يحيى ــ حين ثبته على التمسك بحقه إلى أن وصل واعتلى كرسي الخلافة ـــ بقوله عندما بويع بالخلافة سنة 170هـ / 786 م: ( يا أبت أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك ، وحسن تدبيرك ، وقد قلدتك أمر الرعية ، وأخرجته إليك فاحكم بما ترى ، واستعمل من شئت ، واعزل من رأيت ، وأسقط من رأيت ، فإنني غير ناظر معك في شيء ) (1) .
... إذا فلا غرو بعد ذلك وعجب في أن يسلم هارون عنان الأمور في الدولة ليحيى وأسرته حتى قيل أن هارون سلم لهم خاتم الدولة ، فتداولوه بينهم بين سنة 173 إلى 189هـ (2) وبذلك أصبحت ليحيى سلطة تكاد تكون مطلقة ، فكانت له إدارة الدواوين كلها مع الوزارة (3) . وكانت الكتب التي تنقذ من ديوان الخراج باسمه ، ولم تكن تنفذ إلا عن الخليفة (4) ، وهي بدعة استنها الرشيد تجعل الوزير بمثابة النائب عن الخليفة .
... وقد ساعد يحيى في إدارة شئون الدولة ، ولداه الفضل وجعفر ، مدة سبعة عشر عامًا من 170هـ ــ 187هـ / 786 ــ 803 م وقد باشروا في هذه المدة جميع النواحي الإدارية ، والعسكرية ، والمالية ، والعلمية ،