... واستطاع يعقوب في وقت قصير أن يحوز على ثقة الخليفة فكان يدخل عليه وقتما يشاء ويقدم له النصائح في أمر الثغور وبناء الحصون وتقوية الغزاة وتزويج العذاب ، وفكاك الأسرى والمحبوسين والقضاء على الغارمين والصدقة على المتعففين (1) .
... ولا شك في أن تلقيب المهدي"يعقوب بن داود"بلقب"الأخ في الله"له مغزاه السياسي . فقد أراد المهدي أن يستغل ظروف يعقوب واتصالاته بالعلويين ، ليكسب جانبهم ويرصد تحركاتهم وأنشطتهم ، وليأنس العلويين بحكمه من جهة ثانية .
... ولتسهيل مهمة يعقوب في سياسة المصالحة مع العلويين منحه المهدي سنة 161هـ / 778م سلطات سياسية كبيرة ، مثل حق تعيين أمناء له في جميع الولايات ، ومنح هؤلاء الأمناء سلطة على الولاة أنفسهم"فكان لا ينفذ للمهدي كتاب إلى عامل فيجوز حتى يكتب يعقوب بن داود إلى أمينه وثقته بإنفاذ ذلك" (2) .
ولم يزل أمر يعقوب يرتفع ويعلو عند المهدي حتى استوزره وفوض إليه أمر الخلافة ، أي أنه وزره وزارة تفويض ، وأصدر مرسومًا رسميًا بذلك سنة 163هـ / 779م فازدادت منزلة يعقوب علوًا ، حتى أخذ
يقرب الزيدية وأتى بهم من كل ناحية ، وولاهم مناصب الدولة ليس في العراق وحدها وإنما في جميع الولايات (3) .
... على أن سياسة المصالحة هذه لم تأت بالنتائج المرجوة منها ، وذلك لأمور منها:
أولًا: لأن الخلافات بين العلويين والعباسين كانت عميقة جدًا ، فالعلويين لم يستسيغوا سياسة المصالحة كما أنهم لم يثقوا بيعقوب ، واعتبروه شخصًا انتهازيًا ، ولم يسلم عيسى بن زيد نفسه رغم التأكيدات والجوائز والضمانات التي حصل عليها من الخليفة عن طريق المهدي (4) .
ثانيًا: أثارت الصلاحيات الكبيرة التي منحها يعقوب لأمناء وموظفي الزيدية عداء أصحاب البريد وولاة الولايات ، فأخذوا يوغرون صدر المهدي على يعقوب ، معللين ذلك بأن ميله للعلويين هو الذي جعله يمنحهم تلك الصلاحيات (5) .