فمن الذي هو نازل بمهبِّ الصَّبا فيأتون مجيبين بالتلبية أفواجًا كالتراب كثرة و (من) مثل الطيان الذي يدوس برجليه الطين؟
يريد أن منهم رجالًا كالِّين، وقد يجوز أن يكون أراد الهرْولة إذا طافوا بالبيت.
قال ابن قتيبة: وقال في ذكر الحجَر المسْتَلم: قال شعيا: «قال الرب السيد: هأنا ذا مؤسس بصهيون وهو بيت الله حجرًا في زاوية مكرَّمة» .
والحجر في زاوية البيت، والكرامة أن يسْتلم ويُلثم.
وقال شعيا في ذكر مكة:
«سيري واهتزّي أيتها العاقر لم تلد، وانطقي بالتسبيح وافرحي إذ لم تحبلي، فإن أهلك يكونون أكثر من أهلي» .
يعني بأهله أهلَ بيت المقْدس من بني إسرائيل.
أراد أن أهل مكة يكونون بمن يأتيهم من الحجاج والعمَّار أكثر من أهل بيت المقدس.
فشبه مكة بامرأة عاقر لم تلدْ، لأنه لم يكن فيها قبلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إسماعيل وحده، ولم ينزل بها كتاب.
ولا يجوز أن يكون أراد بالعاقر بيتَ المقدس، لأنه بيت الأنبياء ومهبط الوحي، ولا يشبَّه بالعاقر من النساء.
وفي «شعيا» أيضًا منْ ذكر مكة:
«قد أقسمتُ بنفسي كقسمي أيام نوح الا أغرق الأرضَ بالطوفان، كذلك أقسمتُ أن لا أسخط عليك ولا أرفضك، فإن الجبال تزول والقلاع تنحط، ونعمتي عليك لا تزول» .
ثم قال: «يا مسكينة يا مضطهدَة هأنا ذا بانٍ بالحسن حجارتك، ومزيِّنك بالجواهر، ومكلِّلٌ باللؤلؤ سقفك، وبالزَّبرْجد أبوابك، وتبعدين من الظلم فلا تخافي، ومن الضعف فلا تضعفي، وكل سلاح يصنعه صانعٌ فلا يعمل فيك، وكل لسان وكل لغة تقوم معك بالخصومة تفلحين معها» .
ثم قال: «وسيسمِّيك الله اسمًا جديدًا» .
يريد أنه سمي المسجد الحرام وكان قبل ذلك يسمى الكعبة.
«فقومي فأشرقي، فإنه قد دنا نورك ووقار الله عليك» .
«انظري بعينك حولك، فإنهم مجتمعون، يأتيك بنوك وبناتك غدوًّا فحينئذ تسرِّين وتزْهرين، ويخاف عدوك ويشبع قلبك، وكل غنم قيدار مجتمعةٌ إليك، وسادات بناوت يخدمونك» .
وبناوت هو ابن إسماعيل.