فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 533

وإني مُشْفق عليهم أن يخرجوا من الإسلام، فإن رأيتَ أن ترسلَ لهم بشيء يعينهم.

قال زيد: فقلت: أنا أبتاع منكم بكذا وكذا وسَقًا. فأعطيتُه ثمانين دينارًا، فدفعَها إلى الرجل وقال: «اعْجَلْ عَلَيْهِم بِهَا فَأغْنِهم» .

فلما كان قِبَل المَحَلِّ بيوم أو يومين أو ثلاثة، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة في نفر من أصحابه، فجبَذْتُ رداءه جَبْذَةً شديدة، حتى سقط عن عاتقه، ثم أقبلتُ بوجهٍ جَهْم غليظ، فقلت: ألا تقضيني يا محمد، فوالله ما عَلِمْتُكم بني عبد المطلب لمُطْل.

فارتعدت فرائصُ عمر بن الخطاب كالفُلك المستدير، ثم رمى ببصره فقال: أيْ عدوَّ الله، أتقول هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصنع به ما أرى وتقول ما أسمع فوالذي بعثه بالحق لولا ما أخاف فَوْتَه لسبقني رأسُك.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في تُؤدة وسكون، ثم تبسَّم وقال: «أنَا (وهو) أحْوَجُ إلى غَيْرِ هذا، أنْ تَأمُرَنِي بِحْسْنِ الأدَاءِ وتَأمُرَه بِحْسْنِ التِّبَاعَةِ، اذْهَبْ يَا عُمَرُ فَاقْضِه حَقَّه وزِدْه عِشْرِيْنَ صَاعًا منْ تَمْرٍ» .

فقلت: ما هذا؟

قال: أمرني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكانَ منازعتك.

فقلت: أتعرفني يا عمر؟

قال: لا. فمن أنت.

قلت: أنا زيد بن سَعْيَة.

قال: الحَبْر؟

قلت: الحبْر.

قال: فما دعاك أن تفعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت، وتقولَ له ما قلت.

قلت: يا عمر، إنه لم يَبْقَ من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه إلا اثنَتَين لم أَخْبرهما منه: يسبقُ حلمُه جهلَه، ولا يزيده شدةُ الجهل عليه إلا حِلْمًا، فقد اختبرته منه، فأشهدك يا عمر أني رضيت بالله ربًّا بالإسلام دينًا وبمحمد نبيًّا، وأشهدك أنَّ شَطْر مالي لله، فإني أكثُرها مالًا، صدقةً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت