وكان أبو بكر يُعرف في الطريق لاختلافه إلى الشام، وكان يمر بالقوم فيقولون: مَنْ هذا بين يديك يا أبا بكر؟ فيقول: هادٍ يهديني إلى الطريق.
فلما دنَوْا من المدينة بعث إلى القوم الذين أسلموا من الأنصار، إلى أبي أمامة وأصحابه، فخرجوا إليهما فقالوا: ادخلا آمنَيْن مطاعَيْن. (فدخلا) .
قال أنس: فما رأيت يومًا قط أنورَ ولا أحسنَ من يوم دخلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر المدينة.
وشهدت وفاته، فما رأيت يومًا قط أظلَم ولا أقبح من اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الباب السادس
في لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق المدينةبُرَيدة الأسلمي، وتفاؤله باسمه وخدمة بريدة إياه
عن عبدالله بن بُرَيدة، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطيَّر، وكان يتفاءل، وكانت قريش جعلت مائة من الإِبل فيمن يأخذ نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم فيرده عليهم حين توجه إلى المدينة.
فركب بُرَيدة في سبعين راكبًا من أهل بيته من بني سَهْم، فتلقى نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أنْتَ؟» .
فقال: أنا بُرَيدة.
فالتفت إلى أبي بكر الصِّديق فقال: «يَا أبَا بَكْرٍ، بَرُدَ أمْرُنَا وَصَلُحَ» ، ثم قال: «مِمَّنْ أنْتَ؟» .
قال: مِنْ أَسلم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «سَلِمْنَا» .
قال: «ممَنْ؟» .
قال: من بني سهم.
قال: «خَرَجَ سَهْمُكَ (يَا أبَا بَكْرٍ) » .
فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ أنت؟
قال: «أَنا مُحَمَّدُ بنِ عبْدِالله رَسُولُ الله» .
فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
فأسلم بُريدة وأسلم مَنْ كان معه جميعًا.
فلما أصبح قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «لا تَدْخُلْ المَدِيْنَةَ إلاَّ وَمَعَكَ لِوَاءٌ» . فحلَّ عمامته ثم شدَّها في رمح، ثم مشى بين يديه. فقال: يا نبي الله، تَنْزل عليَّ.