فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 533

قالت: رأيت رجلًا ظاهرَ الوضاءة، متبلِّج الوجه، حسن الخَلْق، لم تَعِبْه ثُجْلة، ولم تُزْر به صُعْلة، قَسِيمٌ وسيم، في عينيه دَعَج، وفي أشفاره وطَف، وفي صوته صَحَل، أَحْوَر، أكحل، أزجُّ، أقرن، شديد سواد الشعر، في عنقه سَطَع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سمَا وعلاه البهاء، كأَنَّ مَنْطقه خرزاتٌ نُظِمْن يتحدَّرْن، حلو المَنْطق فَصْل لا نَزْر ولا هَذَر، أَجْهَر الناس وأجمله مِن بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب،

ربعة لا تَشْنَؤه عَيْن من طُول، ولا تقتحمه عين من قِصر، غُصْنٌ بَيْن غُصْنين، فهو أَبْهَى الثلاثة منظرًا وأحسنهم قدًّا، له رفقاء يحفَّون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، مَحْفُود مَحْشُود، لا عابس ولا مُفْنِد.

قال: هذا والله صاحب قريش الذي ذُكر له من أمره ما ذكر، ولو كنت وافيته لالتمستُ أَنْ أَصْحبه، ولأفعلنَّ إن وجدتُ إلى ذلك سبيلًا.

وأصبح صوتٌ بمكة عاليًا بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقوله وهو يقول:

جَزَى الله ربُّ الناس خيرَ جزائه

رفيقَيْن حَلاَّ خيمَتيْ أمِّ مَعْبَدِ

هما نَزَلا بالبِرِّ وارتحلا به

فأفْلَح من أمْسَى رفيقَ محمدِ

فيالَ قُصَيَ ما زَوَى الله عنكمُ

به من فِعالٍ لا تُجَازَى وسُؤْدَدِ

سَلُوا أختكم عن شاتِها وإنائها

فإنكمُ إنْ تَسْأَلوا الشاة تَشْهدِ

دعاها بشاةٍ حائلٍ فتحلَّبَتْ

له بصريح ضَرَّةُ الشاةِ مُزْبِدِ

فغادَره رَهنًا لديها لحالبٍ

بَدرَّتها في مَصْدرٍ ثم مَوْرِدِ

فأصبح القوم قد فقدوا نبيهم وأجدوا على خيمتي أم معبد. فأَجابه حسان بن ثابت فقال:

لقد خاب قومٌ زالَ عنهم نبيُّهم

وقُدِّس من يَسْري إليه ويَغْتدي

ترحَّلَ عن قومٍ فزالت عقولُهم

وحلَّ على قوم بنورٍ مجدَّدِ

وهل يَسْتوي ضُلاَّلُ قوم تسفَّهوا

عمًى وهداةٌ يقتدون بمهتدِي

نبيٌّ يرى ما لا يرَى الناسُ حولَه

ويتلو كتابَ الله في كل مَشْهدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت