فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 533

فطرح ثوبيه ثم رمى بنفسه على فراشه، فوالله ما نام ولا قام، فأصبح مبثوثًا حزينًا لا يكلمنا ولا نكلمه.

فرحلنا فسرنا ليالي، ثم قال: يا صخر، حدِّثني عن عُتبة بن ربيعة: أيجتنب المحارم والمظالم؟

قلت: إي والله.

قال: ويصل الرحم ويأمر بصلتها؟

قلت: نعم.

قال: وكريم الطرفين وسط في العشيرة؟

قلت: نعم.

قال: فهل تعلم قُرشيًا أشرف منه.

قلت: لا والله.

قال: أمُحْوجٌ هو؟

قلت: لا، بل ذو مالٍ كثيرٍ.

قال: كم أتى له من السنين؟

قلت: هو ابن سبعين قد قاربها.

قال: فالسن والشرف أزْرَيا به.

قلت: لا والله بل زاداه خيرًا.

قال: هو ذاك.

ثم إن الذي رأيتَ بي أني جئت هذا العالِم فسألته عن هذا الذي يُنتظر.

فقال: هو رجل من العرب من أهل بيت تحجه العرب.

فقلت: فينا بيت تحجُّه العرب.

قال: هو من إخوانكم وجيرانكم من قريش. فأصابني شيء ما أصابني مثله، إذ خرج من يدي فوز الدنيا والآخرة، وكنت أرجو أن أكون أنا هو.

قلت: فصِفْه لي.

قال: رجل شابٌّ حين دخل في الكهولة، بدءُ أمره أنه يجتنب المحارم والمظالم، ويصل الرحم ويأمر بصلتها، وهو مُحْوج كريم الطرفين متوسط في العشيرة، أكثر جنده من الملائكة.

قلت: وما آية ذلك؟

قال: قد رجفت الشام منذ رفع عيسى بن مريم ثمانين رجفة كلها فيها مصيبة، وبقيت رجفة عامة فيها مصيبة، يخرج على أثرها.

فقلت: هذا هو الباطل، لئن بعث الله رسولًا لا يأخذه إلا مسنًّا شريفًا.

قال أمية: والذي يحلف به إنه لهكذا.

فخرجنا حتى إذا كان بيننا وبين مكة ليلتان أدركَنا راكب من خلفنا، فإذا هو يقول: أصابت الشام بعدكم رجفة دمِّر أهلها فيها وأصابتهم مصائب عظيمة.

فقال أمية: كيف ترى يا أبا سفيان؟

فقلت: والله ما أظن صاحبك إلا صادقًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت