وما جرى للرسول إنما صدَر عن الحكيم الذي أقام قوانينَ الكلِّيات، وأدار الأفلاك، وأجرى المياه وأرسل الرياح، بتدبير مُحْكَمٍ لا خلل فيه.
فإذا رأينا رسوله يشدُّ الحَجَر من الجوع ويُقْهر ويُؤذَى، علمنا أن تحت ذلك حِكَما، إن تلمَّحْنا بعضَها لاحت من خلال سُجُف البلاء حكمتان:
إحداهما: اختبار المبتَلَى ليَسْكن قلبُه إلى الرضا بالبلاء، فيؤدِّي القلبُ ما كلِّف من ذلك.
والثانية: بثُّ الشبهة من خِلاَل الحجج ليُثَاب المجتهد في دفع الشبه.
الباب الثاني والثلاثون
في ذكر ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع الأنصارسنة إحدى عشرة من النبوة
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم يَعْرض نفسَه على القبائل كما كان يصنع في كل موسم.
فبَيْنا هو عند العَقَبة لقي رهطًا من الخزرج، فقال: «مَنْ أنْتُم؟»
قالوا: من الخزرج.
قال: «أفَلاَ تَجْلِسُونَ حَتَّى أكَلِّمَكُم؟»
قالوا: بلى.
قال: فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله تعالى وعرض عليهم الإِسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكان قدماؤهم يسمعون أنه سيظهر نبي من بني غالب.
عن ابن جُميع قال: لما حضرت أوسَ بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر الوفاة قالوا له: قد كنا نأمرك بالتزويج في شبابك فتأبى، وهذا أخوك الخزرج له خمس بنين، وليس لك غير مالك.
فقال: لن يهلك هالك تَرك مثلَ مالك.
وأنشد:
ألمْ يَأْتِ قَوْمي أنَّ لله دَعْوةً
يفوزُ بها أهلُ السعادةِ والبِرِّ
إذا بُعِث المبعوثُ مِنْ آلِ غالبٍ
بمكةَ فيما بَيْنَ زَمزمَ والحِجْرِ
هنالك فابغُوا نصرَه ببلادكم
بني عامرٍ إِنَّ السعادة في النصرِ
وكان أولئك الذين عرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعون من اليهود أنه قد أظلَّ زمانُ نبي.
فلما كلّمهم قال بعضهم لبعض: والله إنه للنبي الذي تَعِدكم يهودُ فلا يسبقنكم إليه.
فأجابوه وانصرفوا راجعين إلى بلادهم قد آمنوا.